حقن مجهري منى السيد ٥

مرت الشهور.
الحمل استقر، والطفل المتبقي كبر بشكل طبيعي.
كنت بروح للدكتور وأنا مرعوبة، لكن كل مرة كنت أسمع النبض، كنت بحمد ربنا.
وفي الشهر التاسع، دخلت المستشفى.
حسام كان ماسك إيدي.
والبنات واقفين جنب السرير.
وأمي كانت في الخارج تنتظر إذني للدخول.
بعد ساعات طويلة، سمعت أول صرخة لطفلي.
بكيت.
حسام بكى.
ولما الممرضة حطته في حضني، ضممته بكل قوتي وقلت:
“إنت جيت بعد ما الدنيا حاولت تكسرنا، بس ربنا كتب لك تيجي.”
بعدها طلبت من الممرضة تدخل البنات.
دخلوا.
ولما شافوا أخوهم الصغير، ضحكوا وفضلوا يبوسوه.
بعد دقائق دخلت أمي.
وقفت عند الباب، مش قادرة تتحرك.
نظرت لها، ثم قلت:
“تعالي يا أمي.”
قربت ببطء.
شافت الطفل، وحطت إيدها على فمها وهي بتبكي.
قالت:
“سامحيني.”
رديت:
“أنا سامحتك، بس مش هسمح لأي حد تاني يكسر بيتي أو يخوف أولادي، حتى لو كان أغلى الناس.”
هزت رأسها وقالت:
“وعد.”
أما فؤاد، فاختار يبتعد بعد ما سلم كل المستندات القانونية.
وقال لي قبل ما يمشي:
“أنا ضيعت سنين من عمرك، ومش هضيع الباقي. أبوكي الحقيقي مش اللي أنجبك، ولا حتى اللي رباكي لوحده… أبوكي الحقيقي هو كل شخص وقف جنبك لما كنتِ مكسورة.”
ابتسمت وقلت له:
“وأنا هفضل فاكرة إن الراجل اللي رباني هو أبويا، من غير ما أنكر إنك جزء من حكايتي.”
ومرت سنة.
بيتنا بقى مليان صوت الأطفال.
البنتان بيلعبوا مع أخوهم، وحسام بيرجع من شغله يجري عليهم، وأنا بقيت أعيش يومي من غير خوف من زعل حد.
أمي بقت تزورنا من وقت للتاني، لكن بحدود واضحة.
وكل مرة تدخل البيت تستأذن قبل ما تعمل أي حاجة.
وفي يوم، كنا قاعدين كلنا.
البنت الكبرى سألتني:
“ماما، ليه زمان كنتي بتعيطي كتير؟”
بصيت لها وابتسمت.
قلت:
“عشان ماما كانت بتتعلم.”
قالت:
“اتعلمتي إيه؟”
حضنتها وقلت:
“اتعلمت إن الحب مش معناه إننا نقبل الأذى، وإن صلة الرحم مش معناها نسيب حد يهيننا، وإن التسامح مش معناه نرجع نفس الغلطة، وإن أول بيت لازم أحميه هو بيتي، وأول ناس لازم أحميهم هم أولادي.”

