تذكرة قطر ٢

طارق وقف على شارع التسعين في التجمع، التاكسيات بتعدي من قدامه وهو مش قادر يستوعب إنه من بضعة أيام كان بيمشي بالعربية الفارهة وبيأمر ويطاع، ودلوقتي واقف على الرصيف مش لاقي مكان يروح فيه! — “هنروح فين دلوقتي يا طارق؟” فاطمة قعدت على الشنطة الصغيرة اللي كانت حايلاها في القطر وبدأت تعيط بانهيار. “الشارع؟ هنقعد في الشارع بالشنط؟!” — “اسكتي بقى!
اسكتي خالص!” زعق طارق وهو بيمسك دماغه اللي كانت هتتفجر. “على حدائق القبة.. هنروح لشقة ماما. هخلي البواب يكسر القفل أو نطرُد الساكن بأي طريقة.. تصرفي معايا تكسي بسرعة.” أخدوا تكسي وطلعوا على حدائق القبة. المنطقة الشعبية القديمة اللي طارق كان بيستعار ينطق اسمها قدام صحابه وأصحاب مريم، وكان دايماً بيقولهم: “أنا سكنت في التجمع عشان بحب الهدوء والأماكن الراقية، لكن أملاكي التانية متوزعة.
” وصلوا العمارة القديمة. الشارع ضيق، والمبنى المتهالك والسلالم المكسورة كانت استبصار قاسي للواقع الجديد. طلعوا الدور التالت، وطارق خبط على الباب بعنف شديد. فتح الساكن، راجل كبير في السن ولابس جلابية، بص لطارق بضيق: — “خير يا أستاذ طارق؟ في إيه بتخبط كده ليه كأن البيت بيولع؟” — “عم إبراهيم.. أنت لازم تفضي الشقة دي فوراً!
” قال طارق بصوت مرتعش. “أنا محتاج الشقة ضروري جداً النهاردة!” الراجل العجوز بص له باستغراب وضحت ضحكة سخرية: — “أفضي إيه يا ابني؟ أنت شارب حاجة على الصبح؟ أنا دافع الإيجار مقدم لسنة كاملة والعقد بتاعي ينتهي بعد سبع شهور! وفوق ده كله، أنا بكلم المحامي بتاعك وبحول الإيجار شهرياً على المكتـ— استنى كده! هو مش المحامي ده اللي كلمني امبارح بليل؟
” طارق جمد في مكانه: — “محامي إيه؟ أستاذ طاهر؟!” — “أيوة! الأستاذ طاهر كلمني وقال إن الشقة دي مكتوبة بعقد تنازل وهيحولي قيمة الإيجار لسنة كمان قدام بشرط إني ما أخرجش منها ولا أسمح لأي حد يدخلها إلا بأمره! وقال لو أنت جيت، أبلغ أمن المنطقة فوراً!” طارق اتسند على الحيطة الزفرة بتاعة السلم. رجليه ما بقتش شايلاه. مريم.. مريم ما سابتش ثغرة واحدة! الست اللي كان فاكرها ساكتة، ومستكينة، ومش فاهمة حاجة في الدنيا غير القعدة في البيت والمطبخ.