تذكرة قطر ٢

. طلعت متحكمة في كل خيط من خيوط حياته، ومحاصراه من كل اتجاه بمنتهى الذكاء والهدوء، من غير ما ترفع صوتها ولا تطلع كلمة واحدة العيب! فاطمة قعدت على الدرج وبدأت تصوت وتلطم على وشها في وسط العمارة: — “يا لهوي يا فضيحتنا! يا خرابي يا طارق! هنعمل إيه؟ هننام في الشارع؟!” الجيران بدأوا يفتحوا البيوت ويطلعوا برؤوسهم يتفرجوا عليهم. طارق شد أخته بالقوة ونزلوا على الشارع وهو حاسس إن كرامته ونفسه عريانة قدام العالم كله. — “لوكاندا..” قال طارق وهو بيهمس لنفسه. “هنأجر أوضة في لوكاندا رخيصة لحد ما الصبح يجي ونروح لمكتب الأستاذ طاهر..
الأوضة كانت ضيقة، ريحتها رطوبة وصوت العربيات برة ما بيقفش. طارق ما قدرش ينام ثانية واحدة. كل ما يغمض عينيه، يشوف منظر مريم وهي واقفة جنب عربية البضائع في القطر، صامتة، عينها ثابتة عليه ببرود مرعب.. وبصوت القطر وهو بيبعد في محطة أسيوط. افتكر كل مرة اتريق عليها قدام أخته، كل مرة طلب منها أكل ومشي وسابها تنضف البيت لوحدها وهي تعبانة، كل مرة تباهى قدام أصحابه إنه “ممشّي كلامه عليها ومقعدها من السايبر سكيورتي عشان تتفرغ لخدمته”. اتاريها كانت سايقاه.. اتاريها كانت ساكته عشان بتختبر أصله.
. ولما لقيت أصله عريان ومفيش فيه خيط رجولة واحد، رفعت إيدها وسابته يقع من الساقية للجريد! الصبح بدري، الساعة كانت 9:30. طارق كان واقف قدام البرج الإداري الضخم في جاردن سيتي اللي فيه مكتب الأستاذ طاهر. كان لابس نفس الهدوم بتاعة امبارح، مجعدة وريحتها تعب، وشه ذبلان، وعينيه أحمر زي الدم. فاطمة كانت ماشية وراه زي الخيال، مرعوبة ومش قادرة تنطق. طلعوا الأسانسير لـ الدور الـ 18.
المكتب كان عبارة عن صرح فخم جداً، أرضيات رخام، وسكرتارية بلبس رسمي، ومحامين رايحين جايين بملفات ثقيلة. قعد طارق في صالة الانتظار، وكل دقيقة بتعدي كانت زي السكين بتدبح في أعصابه. الساعة 10:00 بالتمام، خرجت السكرتيرة وقالت ببرود: — “الأستاذ طاهر منتظركم في المكتب الرئيسي. اتفضلوا.” دخل طارق وفاطمة. الأستاذ طاهر كان قاعد ورا مكتبه الخشب العريض، وحواليه أربعة محامين تانيين، كل واحد قدامه جهاز لاب توب وملفات قانونية قد كف الإيد. طارق أول ما دخل، ما استناش، وقرب من المكتب وصرخ بقلة حيلة: — “أستاذ طاهر! اللي بتعملوه ده بلطجة قانونية! أنا جوز مريم!


