تذكرة قطر ٢

طارق ما قدرش يستوعب الجملة الأخيرة اللي قالها أبو مريم، التليفون وقع من إيده على رصيف محطة أسوان، وأخته فاطمة عمالة تهزه بهستيريا وتصرخ فيه عشان يفهمها إيه اللي بيحصل. — “طارق! اتكلم! يعني إيه طيارة خاصة؟ يعني إيه فيلتها هي؟ هو أبوها بيخرف ولا إيه؟!” طارق موطّاش ينيب التليفون، فضلت عينيه مبلمة في الفراغ. دماغه كانت بتجمع المشاهد بسرعة مرعبة: نظرات مريم الهادية دايماً، رفضها التام إنه يتدخل في حساباتها البنكية القديمة، سكوتها الغريب لما كان بيتباهى قدام أصحابه بالفيلا وبأنه “سي السيد” اللي شايل البيت ومقعدها من الشغل، وآخر مشهد.

. وقفتها جنب عربية البضائع وهي ماسكة بطنها الحامل في الشهر السابع، وبتبص له بصة مفيهاش عتاب ولا دموع.. كان فيها انسحاب تام. — “يلا يا فاطمة.. نرجع القاهرة فوراً.” قالها بصوت مكسور ومخنوق. — “نرجع إزاي يا طارق؟ إحنا لسه واصلين أسوان! والتذاكر والطيران و—” زعق فيها لأول مرة في حياته بصوت هز المحطة: — “قلتلك نرجع القاهرة فوراً! الحكاية بتخرب فوق دماغنا!” حاول يقطع تذاكر طيران من مطار أسوان، لكن زي ما كان عارف، الموسم كان مقفول تماماً.

اضطروا يحجزوا تذاكر في قطر القشاش اللي راجع القاهرة، سفرية أخدت أكتر من 16 ساعة كاملة. طارق ما غمضلوش جفن، قضى الليل كله قاعد على الكرسي بيترعش من التوتر، يتصل بمريم كل خمس دقايق، والرد دايماً واحد: “الهاتف المطلوب قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة”. أما فاطمة فكانت قاعدة جنبه مرعوبة، كل ما تفتكر إنها كانت بتتريق على مريم وبتطلب عصاير وأكل وحلويات وهي شايفاها واقفة على رجلها، تحس ببرودة بتسري في جسمها.

وصل طارق وفاطمة محطة مصر في القاهرة الساعة 8 الصبح. الشوارع كانت زحمة ومقفولة، وطارق بيجر شنطه وبيجري زي المجنون. أخد تكسي وطلع على طول على الفيلا في التجمع الخامس. أول ما وصل قدام البوابة، اتفاجئ إن الشفرة الإلكترونية للباب مش شغالة! حاول يدخل الباسورد كذا مرة، الإضاءة الحمرا تدي رفض. ضرب الجرس بانهيار، فتح له بواب المجمع السكني (الكمبوند) ببرود، ومعاه أفراد الأمن: — “أهلاً يا طارق بيه.

اتفضل حضرتك، الأستاذ طاهر المحامي مستنيك جوة في الجنينة من بدري.” دخل طارق ووراه فاطمة بخطوات مرعوبة. في الجنينة، كان قاعد الأستاذ طاهر، محامي العيلة الشهير، بدلة أنيقة، قدامه لاب توب وشنطة جلد سوداء ثقيلة، وبيشرب قهوته بمنتهى الهدوء. طارق جرى عليه وهو بيلهث: — “أستاذ طاهر! إيه المهزلة دي؟ يعني إيه الشفرة متغيرة؟ فين مريم؟ مريم فين أنا عايز أكرر كلامي معاها وأفهم في إيه!” الأستاذ طاهر شال نظارته ببطء، وبص لطارق بنفس النبرة الباردة اللي اتكلم بيها أبو مريم: — “مدام مريم مش هنا يا طارق بيه.

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *