التوأم زهرة الربيع ٢

لم تكن تلك الليلة ليلة عادية في بيتنا، بل كانت أشبه بالبعث الجديد. انقشع ظلام السنين في لحظات، لكن التبعات التي تلت تلك الليلة كانت أعمق بكثير مما تخيلنا.
بعد تلك الدموع الحارة والاعتراف القاسي بالذنب، لم يغلق زوجي بابه على نفسه كما كان يفعل دائماً. جلس مع أمل حتى الفجر؛ لأول مرة يستمع إليها، ليس كأب يملي أوامره، بل كطفل صغير يتلقى العلم على يد أستاذ وادع. كان يمسك بيدها ويربط على كتفها وهو ينظر إلى رسوماتها الهندسية ومعادلاتها المعقدة بذهول شديد، عيناه اللتان طالما حملتا القسوة والنفور، امتلأتا فجأة ببريق غريب.. بريق الفخر والدهشة.
في الصباح الباكر، استيقظ زوجي بهمة لم أرها فيه منذ سنوات. نزل إلى السوق واشترى أفضل الأطعمة والفاكهة، وعاد إلى البيت يحمل في يده حاسوباً محمولاً جديداً ومتطوراً، اشتراه بكل ما كان يدخره من مال لأجل “العزوة” التي طالما حلم بها. دخل على أمل غرفتها وقدمه لها وعيناه تفيضان بالرجاء والاعتذار: “ده ليكي يا بتي.. عشان تكملي اللي بتعمليه.. ومبقاش واقف عائق في طريقك تاني.”
لكن هذا التحول المفاجئ في بيتنا لم يمر بهدوء على المحيطين بنا. في مجتمعنا الصعيدي الصغير، الأخبار تنتقل كلمح البصر. بدأ الناس يلاحظون خروج زوجي مع أمل، ممسكاً بفتاته بفخر، يعاملها كملكة متوجة بعد أن كان يتحاشى حتى النظر إليها. بدأت الألسنة تنهش في حكايتنا؛ فمنهم من قال إن زوجي قد أصابه الخرف، ومنهم من سخر قائلاً: “كبير العائلة انكسر وبقى يتباهى ببنت!”
تأزمت الأمور أكثر حينما وصلتنا رسالة رسمية على البريد الإلكتروني الخاص بأمل، والذي كانت تديره باسم مستعار خوفاً من اكتشاف أمرها. كانت الرسالة من معهد أبحاث طبي عالمي في سويسرا، يدعوها رسمياً مع ولي أمرها لحضور مؤتمر علمي دولي لمناقشة ابتكارها، وتقديم نموذج أولي ملموس للجهاز الذي صممته.
كانت الفرحة لا تسعنا، لكنها اصطدمت بجدار الواقع والتقاليد. عم أمل، شقيق زوجي الأكبر والرجل القوي في العائلة، علم بالخبر وبأمر سفر البنت وبما تصنعه في غرفتها. اقتحم بيتنا ذات ليلة يملؤه الغضب والتعصب، وصرخ في وجه زوجي: “كيف يا خوي تخلي بت لساتها في سني الـ 13 تسافر بلاد برة وتظهر في التلفزيونات والجرائد؟ ده عار علينا! حنا أصلنا ناس صعايدة، حريمنا مكانها البيوت، مش المعامل والسفر! البنت دي لازم تعيش كيف ما تربت، وتنسى الهوس ده وتستعد لبيت جوزها لما تكبر!”

