تذكرة قطر ٤

كان الهواء البارد يلفه، وصوت صرار الليل هو الوحيد المسموع حوله. لقد أدرك في تلك اللحظة الأخيرة أن قطار حياته الحقيقي قد فاته في أسيوط، وأن ما بقى منه ليس إلا أشباحاً تتألم وتعيش على هامش الوجود، بينما القطار الذي ترك فيه مريم قد وصل إلى قمة العالم. مرت عشر سنوات كاملة. تغيرت معالم الأيام، وتولّت السنون كشف الحقائق وإرساء العدالة الإلهية في أبهى صورها. في قاعة الكبرى بـ “جامعة القاهرة”، وفي يوم مشهود حضره كبار الشخصيات والعلماء، كان يوسف قد أتم عامه السادس عشر.

شاباً يافعاً، شديد الذكاء، يمتلك ثبات أمه ونبل عائلته، وقد حاز على الجائزة الأولى في الذكاء الاصطناعي على مستوى الشرق الأوسط. صعد يوسف إلى المنصة، واستلم درع التكريم، ثم التفت للميكروفون وبصوت جليّ ممتلئ بالفخر قال: — “أهدي هذا النجاح للإنسانة التي كانت لي الأب والأم والسند.. المرأة التي علمتني أن القوة الحقيقية ليست في السيطرة ولا في الجاه، بل في طهارة الأصل والكرامة التي لا تُباع ولا تُشترى.. أمي، مريم الألفي.” وقفت مريم في الصف الأول، ترتدي ثوباً وقوراً، شعرها يخالطه بضع شعيرات بيضاء تزيدها هيبة وجمالاً.

صفقت لابنها والدموع تترقرق في عينيها، دموع الفرح والانتصار الكامل. لقد ربت رجلاً حقيقياً يحمي قيم الكرامة والمروءة التي افتقدها أبوه. في تلك الأثناء، وفي إحدى القرى النائية بمحافظة الفيوم.. كان طارق رجلاً حطمه الشيب والمراض قبل الأوان. يجلس على دكة خشبية متهالكة أمام بيته الطيني، أخته فاطمة بجواره، مقعدة على كرسي متحرك، تنظر إلى الفراغ بصمت لا ينقطع. فتح طارق هاتفاً قديمًا جدًا، ليشاهد عبر إحدى صفحات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو ليوسف وهو يُكرّم على المنصة ويشيد بأمه مريم.

مسح طارق الشاشة بأصابعه المرتعشة، ونزلت دمعة حارقة من عينيه الغائرتين. لم يعد يملك دموعاً يبكي بها، بل كانت دموع حسرة وقهر على العمر الذي انقضى في القاع. التفتت إليه فاطمة بصوت ضعيف وبحشرجة المـ,ـوت: — “طارق.. هو ده ابنك؟” رد طارق بصوت مكسور كأنه يخرج من بئر عميق: — “ده ابن مريم يا فاطمة.. ده ابن الست اللي سيبناها واقفة على رجلها وهي حامل وضحكنا عليها.. الولد كبر وبقى راجل، وأنا بقيت جثة عايشة تحت التراب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *