تذكرة قطر ٤

قعد طارق على الكرسي في الاستراحة الفخمة للمستشفى، مسك رأسه بإيديه، وكانت دموعه بتنزل بسكوت قـ,ـاتل. كان بيحس بإهانة وخجل لم يذقهم إنسان من قبل. الصفحة ما كانتش انـ,ـتقام بالضـ,ـرب أو السجن أو الأذى.. الانتقام الحقيقي كان بالنبل والإحسان! مريم ردت على الجحود بالإحسان، وعلى القسوة بالرحمة، وعلى النذالة برقية الأصل. كل جهاز بيتحرك في غرفة أخته، وكل دواء بيدخل جسمها، كان عبارة عن دين وذل حقيقي يطوق رقبته ورقبة أخته طوال العمر، يذكرهم في كل لحظة بتفاهتهم وضآلتهم أمام هذه المرأة الجبل.
وفجأة.. التليفون في إيده رن. كان الأستاذ طاهر. طارق حط التليفون على أذنه بصوت مرتعش ومكسور: — “أستاذ طاهر.. أنا مش عارف أقول إيه.. أنا مش عارف أشكر مريم إزاي..” رد الأستاذ طاهر بصوت جاد وواضح: — “ما تشكرش حد يا طارق. أختك هتتلقى العلاج الكامل لحد ما تشفى تماماً وتخرج على رجلها. بس الأوراق اللي هتوصلك بكرة مع المندوب لازم تتوقع فوراً.” — “ورق إيه يا أستاذ طاهر؟” — “ورق تنازل رسمي وأبدي عن أي محاولة للتعرض أو السؤال عن يوسف أو مريم، وإقرار بعدم وجود أي صلة عائلية أو قانونية بينك وبينهم للأبد.
بالإضافة لإقرار خروج نهائي من القاهرة وتعهد بعدم التواجد في النطاق السكني أو العملي لمدام مريم أو ابنها.” طارق بص لغرفة أخته، وبص للورق الخيالي اللي كان عايش فيه، وقال بنبرة ميتة تماماً: — “أنا موافق يا أستاذ طاهر.. هوقع على أي ورقة.. بس قول لمريم.. قولها إنها قـ,ـتلتني بحسنتها دي أكتر ألف مرة من لو كانت سجناني.” رد الأستاذ طاهر قبل ما يقفل: — “مريم مش محتاجة تقهرك يا طارق.
. أنت قهرت نفسك من يوم ما اخترت تكون نذل.” مر عامان آخران على تلك الليلة التي أُنقذت فيها حياة فاطمة في المستشفى الاستثماري، لتستقر أقدام الجميع على خريطة المصائر التي رُسمت بمداد العدالة والمواقف. كانت القاهرة قد ودّعت فصل الشتاء ودخلت في صيف لاهب، لكن طارق وأخته كانا قد ابتعدا تماماً عن صخب العاصمة وزحامها. بعد أن وقع طارق على إقرار الجلاء النهائي والتنازل الأبدي، انتقل برفقة أخته التي استردت جزءاً من عافيتها الجسدية —وإن ظلت روحها مكسورة بالكامل— إلى قرية نائية في أطراف محافظة الفيوم.