تذكرة قطر ٤

هناك، عاشا في بيت طيني صغير بستار من القش. عمل طارق أجيرًا في أحد أراضي الاستصلاح الزراعي، يحرث الأرض تحت شمس النهار الحارقة، ببدن منهك وجسد نحف حتى برزت عظامه. لم يعد يملك من الماضي سوى ذكريات تلتهم عقله كل ليلة، وصورة قديمة لمريم كانت قد سقطت من إحدى المجلات الاقتصادية، يحتفظ بها في صندوق خشب صغير تحت سريره المتهالك.

كانت تجلس طوال اليوم أمام باب البيت الطيني، تتأمل الأفق الممتد، ولا تنطق إلا بقليل من الكلمات. كلما مرت أمامها امرأة حامل أو سمعت صوت قطار يمر من خط السكة الحديد البعيد في أطراف القرية، كانت تغطي وجهها بثرائها وتبكي في صمت قـ,ـاتل. لقد تحولت “ضحكتها الساخرة” في عربة الـ VIP إلى كابوس يطاردها في كل لحظة يقظة أو منام.

في المقابل، كانت إمبراطورية “يوسف القابضة” تتمدد وتتألق في سماء الاقتصاد العربي والدولي. وصل يوسف إلى سن السادسة، وأصبح صبياً ك كحيل العينين، ذكياً ومرحاً، يفيض أدباً ورجولة مبكرة زرعتها فيه أمه وأنيسها والدها. لم يكن يوسف يعرف شيئاً عن طارق سوى أنه “إنسان من الماضي انتهى أثره”. في صبيحة أحد أيام شهر يوليو، أقيمت احتفالية ضخمة في العاصمة الإدارية الجديدة، بمناسبة تدشين أكبر مركز للأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي في أفريقيا، وهو المشروع القومي الضخم الذي أوكلت الدولة إدارته بالكامل لمؤسسة مريم الألفي.

كان الحفل محضوراً بكبار رجال الدولة، والوزراء، وسفراء الدول الأجنبية. وقفت مريم على المنصة الرئيسية في قاعة المؤتمرات الكبرى، بلباس رسمي يفيض بالأناقة والهيبة، والضوء المسلط عليها يعكس طاقة امرأة لم تهزمها الخيانة، ولم ينل من كرامتها الغدر. بجوار المنصة، كان والدها يقف متكئاً على عصاه الأنيقة، وبجواره يوسف الصغير الذي كان يرتدي بذلة رسمية أنيقة، ويحمل في يده باقة ورد حمراء ليقدمها لأمه بعد انتهاء كلمتها. وقفت مريم أمام المكبرات، وبدأت كلمتها التي بُثت على الهواء مباشرة عبر كافة القنوات الفضائية المصرية والعربية: — “عندما يبني الإنسان حياته على الزيف والأوهام، فإن أول عاصفة هادئة كفيلة بإسقاط جدرانه المتهالكة.

الحياة لا تُقاس بما نملكه من مظاهر، بل بما نحمله في قلوبنا من أصل ونبل وقدرة على التحمل. أهدتني الحياة مجدداً هذا النجاح، لأنني اخترت أن أكون صادقة مع نفسي، ولأنني لم أسمح لأي يد جائرة بأن تسرق مني إيماني بربي وبإنسانيتي.” صفقت القاعة بالكامل في نوبة رديت استمرت لدقائق. في تلك اللحظة بالذات، وفي المقهى الشعبي الوحيد في تلك القرية النائية بالفيوم، كان التلفاز المتهالك المعلق على الحائط يعرض البث المباشر للاحتفالية. كان طارق يجلس في الزاوية المعتمة للمقهى، يرتدي جلباباً ممتلئاً بتراب الأرض، ويحمل في يده كوب شاي أسود. كانت عيناه الشاحبتان معلقتين بالشاشة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *