تذكرة قطر ٤

بعد أكثر من ساعة من المعاناة، وقف له راجل طيب بسحر سيارته النصف نقل، ونقلهم لمستشفى القصر العيني الفرنساوي (المبنى المجاني). في صالة الإستقبال العادي، الأطباء والممرضين كانوا بيجروا بين المئات من الحالات الحطرة. طارق صرخ في الممرضين: — “أختي بتمـ,ـوت! محتاجة عناية مركزة وأوكسجين فوراً!” طبيب الطوارئ كشف عليها بسرعة، وهز رأسه بأسف شديد وقال لطارق: — “الحالة متأخرة جداً يا أستاذ، الرئة شبه متوقفة والمناعة صفر. هي محتاجة سرير عناية مركزة مجهز بتنفس صناعي فوراً، والأسِرّة المجانية هنا كلها مشغولة للأسف. لازم تتنقل العناية المركزة بباب الاستثمار أو مستشفى خاص، وده بيكلف مبالغ كبيرة في اليوم الواحد.
” طارق خرج برة مبنى الطوارئ، المطر كان ينزل بغزارة والبرد بيشق عظامه. وقفت في الشارع والناس رايحة وجاية، التليفون القديم في إيده اللي مفيهاش غير كارت شحن بواقي بضع قروش. ساعتها.. طارق مالقاش قدامه غير خيار واحد، خيار كان أحرم عليه من المـ,ـوت نفسه، بس الموقف كان حياة أو موـ,ـت. طلب رقم الأستاذ طاهر المحامي.. الرقم اللي كان محفوظ في ذاكرته زي الوشم.
الخط رن.. ورن.. وفي الرنة الأخيرة رد الأستاذ طاهر بصوت جاد ورسمي: — “أهلاً يا طارق بيه.” طارق انهار في التليفون وبدأ ينتحب بصوت هستيري يقطع القلب: — “أستاذ طاهر! أرجوك يا أستاذ طاهر يبوس إيدك ورجلك! فاطمة أختي بتمـ,ـوت في القصر العيني! محتاجة سرير عناية مركزة فوراً وأنا حيلتيش المليم! أرجوك كلم مريم.
. قولها تصفح عننا! قولها تخلي مستشفياتها أو مؤسستها تدفع ثمن السرير ده لله! والله العظيم فاطمة بتمـ,ـوت يا أستاذ طاهر!” على الناحية التانية، كان الأستاذ طاهر قاعد في مكتبه الفخم، وقدامه ملفات وأوراق عمل. أخذ نفس عميق وقال بمنتهى الثبات والهدوء: — “طارق.. مدام مريم مش متفرغة متابعة أخبارك أو أخبار أختك. وبعدين أنت جاي تطلب منها الإنسانية والرحمة دلوقتي؟ هي فاطمة نسيت لما مريم كانت حامل في الشهر السابع وضهرها بينكسر ورجلها وارمة زي البلونة، وقعدت تتطلع رأسها من عربية الـ VIP وتتريق عليها وتقولك ‘أكيد حد هينزل المحطة اللي جاية’ وتطلبوا حلويات وعصاير وفرش؟
