تذكرة قطر ٤

مرت بضعة أشهر أخرى على ليلة الفندق الشديدة البرودة، وتضاعفت قسوة الشتاء على القاهرة. أصبحت أسطح العمارات القديمة في حدائق القبة ملاذاً للأرواح التي لفظها المجتمع، وكان طارق يمر بأصعب أيام حياته على الإطلاق. لم تعد مسألة الفقر والضياع هي ما يؤرقه فحسب، بل إن حقيقة طرده من شركة الشحن عقب حادثة الفندق قد قطعت آخر حبل نجاة كان يقتوت منه. تدهورت حالة أخته فاطمة بشكل مفاجئ؛ المرض المناعي الذي أصابها التهب في جوفها ورئتيها، وأصبحت طريحة الفراش في ذلك الملحق الضيق، لا تجد ثمن الدواء ولا حتى وسيلة تدفئة تُبعد عنها قرس البرد.
طارق كان يخرج كل صباح ليطوف على ورش السيارات ومحلات الخضار والمقاهي في المنطقة، يترجى أصحابها ليحصل على أي عمل يومي، لو حتى حمل أكياس الفحم أو مسح الأرضيات مقابل بضع جنيهات يسد بها رمق أخته ويشتري لها علبة مسكنات رخيصة. وفي إحدى الليالي المطيرة، كان طارق يهرول في الحارة والماء ينسكب من حذائه الممزق، يحمل في يده كيسًا بلاستيكيًا فيه بضع رغفات وجبن، وعلبة دواء واحدة استطاع جمع ثمنها بعد عمل دام 14 ساعة متواصلة في مسح السيارات.
أول ما فتح باب الملحق، سمع صوت شهقات فاطمة العالية وهي بتتلوى على المفرش المتهالك: — “طارق.. أنا بمـ,ـوت يا طارق! صدري مقفول ومش قادرة أتنفس! الحقني يا طارق نزلني أي مستشفى حكومي!” طارق جرى عليها، حط إيده على جبهتها لقاها زي النار المشتعلة. مسك إيدها المرعوشة وهو بيبكي بقلة حيلة شديدة: — “فاطمة! امسكي نفسك يا فاطمة.. أنا جيبت الدوا أهو! خدي بؤ مية واشربيه!” فاطمة زقت إيده بضعف وبدأت تنتفض، وصوتها بيطلع بالعافية: — “الدوا ده مش هينفع.. أنا محتاجة أوكسجين ومحتاجة مستشفى يا طارق.. ربنا بياخد حقه مننا يا طارق!
ربنا بياخد حق مريم وابنها اللي حرمناهم من أبسط حقوقهم وأنا كنت بقعد أضحك وأتريق عليها وهي واقفة بتتلوى من الوجع في القطر! ذنبها بياكل في جسمي يا طارق!” طارق اتسمر في مكانه والدموع نازلة تغسل التراب اللي على وشّه. الجملة دي كانت بتضـ,ـربه زي السـ,ـاطور في دماغه. شال أخته على دراعاته بالرغم من تعبه وهزاله، ونزل بيها السلالم المظلمة بتاعة العمارة القديمة في وسط المطر الشديد. خرج للشارع العادي يصرخ في التاكسيات عشان حد يرضى يقف ياخدهم، لكن كل تاكسي كان بيعدي ويرش عليهم المية الملوثة ويمشي.