تذكرة قطر ٤

رأى مريم.. رأى وجهها الصافي الذي لا تفارقه الثقة.. ورأى ابنه يوسف وهو يصعد على المنصة، ويحتضن أمه ويقبل يدها، ثم يلتفت للكاميرا ليحيي الجمهور بابتسامة مشرقة. الناس في المقهى قعدوا يتكلموا بإعجاب شديد: — “ما شاء الله عليها! ست بـ مية راجل.. شوف إزاي بتبني وتعمل مشروعات للبلد، وشوف ابنها المؤدب إزاي مرفوع الرأس!
” — “أيوة والله، العز والأصل باين عليهم.. ربنا يحفظهم ويرزقنا نصيب من نجاحهم.” طارق كان قاعد بيسمع الكلام ده وكل كلمة كانت بتدخل في قلبه زي المبرد الصديء. الدموع انهمرت من عينيه بغير إرادة منه، وتساقطت في كوب الشاي الذي يحمله. لم يستطع الاحتمال. قام ببطء، وجر قدميه الحافيتين تقريباً وخرج من المقهى، يمشى في الحقول المظلمة تحت أنوار القمر الخافتة. رفع رأسه للسما وصصرخ بصوت خافت ومكتوم: — “يا رب.. يا رب أنا اتعاقبت.. أنا اتعاقبت أشد عقاب! حرمتني من ابني، وحرمتني من هيبتي، وسيبتني عايش زي الميت بشوفهم في التليفزيون ومش قادر أقول للولد ‘أنا أباك’!
. خير؟ فيه حاجة تاني؟ أنا بعيد والله ومبنزلش القاهرة خالص وماشي جنب الحيط..” — “أنا بكلمك عشان أبلغك إن الاستحواذ النهائي على شقتك القديمة في حدائق القبة، والتصرف في كل متعلقاتك الباقية تم بصفة رسمية ونهائية. والمبلغ المتبقي من تسوية الديون السابقة (وهو مبلغ صغير جداً) تم تحويله على حساب بريدي باسم أختك فاطمة عشان تقدر تصرف منه على علاجها الشهري.” طارق غمض عينيه وقال بمنتهى الاستسلام: — “شكراً يا أستاذ طاهر.. شكراً لمريم إنها لسه فاكرة علاج فاطمة..” رد المحامي ببرود: — “مريم مش فاكرة أختك ولا فاكراك يا طارق.
. الملفات دي بتدار تلقائياً من خلال قسم الشؤون الاجتماعية في المؤسسة. مريم حالياً بتستعد للسفر لسويسرا لحضور قمة الاقتصاد العالمي، وهي المحاضر الرئيسي في المؤتمر.” سكت طارق ثواني، وبعدها سأل بصوت يشبه الهمس: — “أستاذ طاهر.. هو يوسف.. يوسف بيسأل عليا؟ عارف أي حاجة عني؟” جاءه رد المحامي كالسيف القاطع الذي حسم كل شيء: — “يوسف بيسأل عن أجداده وأمه وأبناء عيلته المحترمين يا طارق.
. يوسف كبر وعارف إن أمه ست مكافحة وعظيمة، وما يعرفش إن فيه إنسان في الدنيا اسمه طارق ساب أمه الحامل في الشهر السابع واقفة على رجلها في القطر عشان يقعد أخته ويطلب عصاير فريش. يوسف بيتربى يكون راجل.. والرجال ما بيشبهوكش.” قفل الأستاذ طاهر الخط، وترك طارق واقفاً في وسط الغيط المظلم. جلس طارق على الأرض الترابية، وحضن ركبتيه بفرقعة شديدة من البكاء.
