السوبرماركت روماني مكرم ٢
لم تكد شمس العصر تتصفد في كبد السماء، حتى كانت السيارات النقل الثقيل تقف متراصة أمام باب المخزن الكبير، يعلوها غبار الطريق وصوت محركاتها المجهدة، وتحمل على متنها كراتين البضائع وأجولة الأرز والسكر التي سُحبت بالليل في غياهب الظلام. كان حسين يركب بجوار سائق السيارة الأولى، وجهه شاحبٌ كالموت، وعيناه زائغتان تنظران إلى الأرض خشية أن تتلاقى أنظاره مع أنظار تجار الحارة والسوق الذين تجمهروا على جانبي الشارع ليشاهدوا “رد الاعتبار”.
مقالات ذات صلة
حكايات بسمه 2
منذ ساعة واحدة
حكايات بسمه 3
منذ ساعتين
حكايات اسما السيد 1
منذ 3 ساعات
حكايات ميرا 2
منذ 4 ساعات
وقفتُ على أعتاب المخزن، وإلى جواري أبي المتكئ على عصاه بثبات الصخور، وأخي أحمد يستعد بكرّاسته وقلمه لتسليم البضاعة وحصرها قطعةً قطعة. نزل حسين من السيارة بخطوات ثقيلة، يتصبب منه العرق رغم برودة الهواء، وقدم ونظره مثقوب في التراب قائلاً بصوت خافت مكسور: “البضاعة رجعت يا حلمية.. زي ما كانت، ومفيش كرتونة واحدة نقصت.”
ترجل الحاج متولي من على دكته الشهيرة أمام مخزنه، وتقدم بخطوات بطيئة، وضع يده على كتف حسين وقال بلهجة حادة كالس/كين: “البضاعة ترجع.. ده أصل الحق يا حسين، لكن الخيانة والسرقة من يتامى أخوك دي عار يفضل ملاحقك في السوق لحد ما تقابل ربك. قدامك لحد أذان المغرب، تصفي كل حساباتك مع المحل، ولا رجلُك ولا رجل أمك تعتب العتبة دي تاني إلا بالمعروف والزيارة، والبيع والشراء مابينكم وبين حلمية يتكتب بالقرش والمليم.”
دخلتُ إلى عمق المخزن مع أحمد وأبي، وبدأ العمال في تنزيل البضائع ورصها كما كانت. كنتُ أرقب كل كرتونة تدخل، وأشعر أن كل جزء من هذا المكان يفيض بآهات زوجي الراحل وشقائه الذي جمع به هذا المال. لم يكن الأمر مجرد بضاعة تُرد، بل كان ميلاداً لامرأة جديدة وُلدت من رحم الفقد والقهر، امرأة أدركت أن الشفقة في عالم التجارة مجرد أسطورة، وأن الحق يلزمه مخالب تحميه.
مع غروب الشمس وإغلاق أبواب المخزن بعد إتمام الحصر بالكامل، جائتني إحدى جاراتي مسرعة، تلهث وتقول بصوت خفيض: “الحقي يا حلمية.. حماتك تحت في الشقة قايمة قيامتها، وجمعت كبار العيلة من طرف !”
