ثلاث سنين روماني مكرم ٢

الأسبوع اللي قبل جلسة المحكمة كان عبارة عن سباق مع الزمن. الأستاذ رأفت كان شغال زي الاله، مابينامش، بيقفل كل الثغرات اللي ممكن محامي يوسف يلعب عليها. وفي وسط الشغل، جالي اتصال من رقم غريب، فتحت وسمعت صوت والدتي.. صوتها كان عجوز، مكسور، وتعبان جداً:
* “ميادة يا بنتي.. أنا أمك.. أبوكي في العناية المركزة بيموت، وبيقول عايز يشوفك، يغسل ذنبه من ناحيتك قبل ما يقابل ربنا.. عشان خاطري يا بنتي تعالي، إحنا ملناش غيرك، يوسف ضاع وخلاص هيلبس السجن، متبقيش إنتِ والزمن علينا.”
غمضت عيني، وحسيت بوجع قديم بيصحى، صوت غوايشها وهي بتطبخ، وصوت أبويا وهو داخل من الباب.. الحنين كان عايز يسحبني، بس افتكرت النظرة اللي بصها لي أبويا من فوق النظارة والبرود اللي قال لي بيه “وصلتي بالسلامة؟”، وافتكرت أمي وهي واقفة تتفرج على سماح وهي بتبخ عليا المطهر. نشفت دموعي قبل ما تنزل وقلت لها:
* “اللي مات جوة السجن يا أمي مابيرجعش.. أبويا اختار يصدق يوسف ويسيبني أضيع، ودلوقتي بيحصد اللي زرعه.. ربنا يشفيه.” وقفت السكة في وشها وغيرت شريحة الموبايل كلها.
وجاء يوم الجلسة الموعود.. يوم المفاجأة الكبرى.
المحكمة كانت زحمة، وريحة المكان فكرتني بيوم حكمي زمان. وقفت في آخر القاعة ولابسة نظارة سوداء مخبية عيني. بعد شوية، دخلوا يوسف من باب القفص.. شكله كان يصعب على الكافر؛ خاسس النص، دقنه طويلة ومبهدلة، ولابس الأبيض بتاع الحبس الاحتياطي، عينه كانت بتدور في القاعة برعب لحد ما شافتني، بلمح البصر دموعه نزلت وبدأ يشاور لي بإيده كأنه بيستنجد بيا.
جنبه برة القفص كانت قاعدة سماح ووالدتي، شكلهم يقطع القلب، منهارين من العياط.
بدأت الجلسة، والقاضي سمع النيابة وهي بتسرد تفاصيل التزوير وتدليس الحقائق في قض..ية الحادثة القديمة بناءً على اعتراف يوسف في التسجيل. محامي يوسف حاول يلعب على وتر إن “التسجيل تم بدون إذن النيابة” وإنه باطل قانوناً.
هنا قام الأستاذ رأفت بكل ثقة وهدوء، وبص للمستشار وقال:
* “سيادة القاضي، نحن لا نعتمد على التسجيل كدليل وحيد.. نحن نقدم للمحكمة دليلاً مادياً قاطعاً لا يقبل الشك، وهو ‘المفاجأة’ التي أخفاها المتهم طوال السنين الماضية.”
