مراتي وقفت جنبي منى السيد ٣
قلبي سقط بين رجلي، والدم هرب من عروقي وأنا سامع السكرتيرة الأجنبية بتتكلم بنبرة فيها ارتباك واضح. سألتها بلهفة وصوت بيرتعش: “تحديث إيه؟ في إيه في الورق؟ أنتم شوفتوا حاجة خطيرة في التحاليل؟ أرجوكي اتكلمي عربي أو إنجليزي واضح.. مراتي فيها إيه؟”
قالتلي بلغة مكسرة: “أستاذ أحمد، المعمل الطبي اللي في القاهرة بعت إيميل عاجل للمستشفى هنا يطلب سحب الفحوصات الأخيرة اللي اتبعتت لينا.. بيقولوا إن حصل تبديل في الأسماء والنتائج بين عينات مدام نجوى وعينات مريضة تانية كانت معاها في نفس اليوم ونفس الساعة!”
سكت تماماً.. للحظة حسيت إن حاسة السمع عندي اتعطلت، أو إني بحلم حلم كابوس مرعب. سألتها بصوت يكاد يكون مسموع: “تبديل؟ يعني إيه؟ يعني نجوى معندهاش مشكلة؟”
ردت: “التقرير الجديد اللي المعمل صححه بيفيد إن مدام نجوى فحوصاتها سليمة تماماً ومفيهاش أي عائق طبي يمنع الإنجاب.. المشكلة مكنتش عندها من البداية يا فندم. إحنا هنقفل الملف هنا لحد ما تراجعوا الدكتور بتاعكم في مصر.”
قفلت السكة وأنا مش قادر أتنفس.. الهوا طار من صدري. قعدت على الأرض في وسط مكتب الشغل والورق والتنازلات اللي كنت لسه بمضيها حواليا. ضحكت زي المجنون.. ضحكت بوجع وكسرة وسخرية من الدنيا. المشكلة مكنتش عند نجوى! الست اللي شالت الذنب، واللي بكت بدل الدموع دم، واللي لامت نفسها كل ليلة، واللي وقفت قدام مرايتها تحس بالعجز، واللي واجهت نظرات أمي وأختي المسمومة.. كانت سليمة!
أنا اللي كنت بجري ورا وهم.. أنا اللي سمحت لصاحبي وأمي وأختي يملوا دماغي بأني “صغير ومقتدر وأقدر أفتح بيتين” وأني حارم نفسي عشان ست مابتخلفش.. في حين إن الست دي كانت بريئة، وكانت مستعدة تعيش معايا بلقمة وجبنة وبكام جنيه في جيبي، وتتحمل عيبي لو العيب كان فيا.. وأنا أول ما اتقالي إن العيب فيها، فكرت أكسرها وأتجوز عليها!
لميت الورق والتنازلات في الشنطة، وجريت على المعمل الطبي زي المجنون. دخلت على المدير، زعقت، وصرخت، وقلبت الدنيا لحد ما طلعولي التقرير المختوم الجديد واعتذروا بخوف من القضايا والتعويضات. أخدت الورق في إيدي.. الورق ده مكنش مجرد شهادة طبية، ده كان صك براءة نجوى، وكان في نفس الوقت حكم إعدامي أنا.. لأن جرحها دلوقتي بقا أضعاف. لو كانت مريضة ومشت وهي مكسورة، فدلوقتي هتمشي وهي حاسة بأبشع أنواع الظلم.
ركبت العربية وطيرت على بيت أهلها. مكنتش شايف قدامي من الدموع. وصلت وخبطت على الباب بكل قوتي. فتحلي محمود أخوها، وشاف منظري والورق اللي في إيدي ودموعي اللي مغرقة وشي، لسه هيزعق ويقفل الباب، زقيته بكل قوتي ودخلت الصالة وأنا بصرخ: “نجوى!!! يا نجوى اطلعي يا نجوى!! اطلعي شوفي غبائي وظلم الدنيا ليكي!”
خرجت حماتي تجري، ووراها خرجت نجوى بوشها الشاحب وعينيها اللي مبقتش تفارقها الدموع. بصتلي بغضب وقالت: “إنت مابتفهمش؟ إنت إيه اللي جابك هنا تاني؟ مش قولتلك الكلام خلص؟”
وقعت على ركبي قدامها.. نزلت تحت رجليها والورق في إيدي، وسندت راسي على الأرض وأنا بنحب وببكي بصوت عالي زي الطفل الصغير: “سامحيني يا نجوى.. أنا غبي.. أنا أحقر إنسان على وجه الأرض.. الورق اهو.. المعمل غِلط.. التحاليل اتبدلت.. إنتي سليمة يا نجوى.. سليمة ومفيكي العيب.. العيب كان في غبائي وفي الناس وفي الدنيا.. إنتي مابتخلفيش بسببي أنا.. بسبب إني مستاهلكيش ومستاهلش ضفرك.. أنا اتنازلتلك عن كل ممتلكاتي، الشقة والعربية والمشروع، الورق اهو باسمك.. ارجعي لبيت أبوكي بمالي كله.. بس بالله عليكِ ما تبصيليش النظرة دي تاني.. امسحي الذنب اللي عيشتي فيه بسببي.”
نجوى اتسمرت في مكانها.. ملامح وشها اتخطفت، وبصت للورق اللي رميته تحت رجليها، وبصت لأمها ولأخوها ومكنتش مصدقة.. مديت إيدها ببطء شديد، وأخدت تقرير المعمل الجديد وقرأته.. دموعها بدأت تنزل، بس المرة دي مكنتش دموع انكسار.. كانت دموع قهر وظلم السنين اللي فاتوا كلهم.
بصتلي وأنا على الأرض، وفجأة لمت الورق كله.. تقرير البراءة، وورق التنازل عن الأملاك، ورمتهم كلهم في وشي وقالت بصوت زلزل كياني..
رمت الورق كله في وشي، ورق البراءة والتنازل عن الأملاك، وقالت بصوت زلزل كياني وعينيا مليانة بوجع السنين:
“دلوقتي بس يا أحمد؟ دلوقتي لما عرفت إني سليمة ومبقتش المعيوبة في نظر الناس جاي تحت رجلي؟ يعني لو كان التقرير الأولاني صح، كنت زمانك كملت في جوازتك وعيشت حياتك، وسبتني أموت بقهرتي في بيت أبويا لمجرد إن ربنا مأردش ليا الخلف؟”
وقفت ودموعها بتنزل زي الشلال، بس صلبة وطولها بعمر الصبر اللي صبرته معايا:
“الفلوس اللي إنت جاي تتنازل عنها دي، إنت مش بتقدمها ليا.. إنت بتشتري بيها راحة ضميرك، وعايز تدفع تمن ذنبك عشان تنام بالليل مستريح. وأنا كرامتي وصحتي والنوم اللي طار من عيني مش للبيع. ورق ممتلكاتك ده خده واطلع بيه برة، أنا ماليش عندك غير ورقة طلاقي، وساعتها بس هبقى مسمحاك.. مسمحاك لأني هكون اتخلصت من أكتر بني آدم ظلمني في حياتي.”
دخلت أوضتها ورزعت الباب وراها.. الصوت سمع في كل ركن في بيت أهلها، وكأنه كان إعلان نهاية السنين اللي عشناها سوا.
قمت من على الأرض وأنا حاسس إني عريان.. عريان من مالي، ومن كبريائي، ومن الست اللي كانت سند ومأوى ليا في الدنيا. لميت الورق اللي اترمى في وشي، وبصيت لحماتي وأخوها محمود اللي كانوا واقفين مصدومين من الحقيقة ومن قوة نجوى. محمود اللي كان عايز يضربني من شوية، بصلي بإشفاق وقالي بلهجة هادية: “خلاص يا أحمد.. سيبها دلوقتي، الكلام معاها وهي في الحالة دي مش هيجيب نتيجة.. اطلع برة وسيبها لربنا.”
خرجت من البيت وأنا تايه في شوارع أسيوط.. مكنتش عارف أروح فين.. ركبت عربيتي وفضلت سايق من غير وجهة، لحد ما لقيت نفسي واقف قدام النيل.. الهوا كان ساقع، والضلمة بدأت تنزل، وتليفوني مكنش بيبطل رن.. كانت أمي.
رديت عليها بصوت ميت، مكنش فيه حيل حتى للعتاب: “عايزة إيه يا أمي؟”
قالتلي بلهفة: “إيه يا أحمد؟ عملت إيه مع صاحبك؟ البنت اللي قولتلك عليها جاهزة وأهلها مستنيين نحدد ميعاد عشان نروح نخطبها.. فكك من نجوى بقا وخلينا نفرح بيك وبالعيال اللي يشيلوا اسمك!”
ضحكت.. ضحكت بصوت عالي والناس في الشارع بدأت تبص عليا.. ضحكت لحد ما دموعي نزلت، وقولتلها: “مبروك يا أمي.. افرحي.. نجوى طلعت سليمة، ومفيهاش أي عيب.. العيب كان في المعمل والتحاليل.. نجوى اللي كنتوا بتعايروها بالخلف وتزنوا عليا عشان أسيبها، طلعت هي اللي بريئة.. وأنا دلوقتي خسرتها، وخسرت كل حاجة.. ارتاحي بقا.”
قفلت السكة في وشها قبل ما تسمع الرد، ورميت التليفون في النيل.. مكنتش عايز أسمع صوت حد، ولا نصيحة من حد. قعدت على الرصيف وسندت راسي على دريكسيون العربية وأنا باصص لورق التنازل عن الأملاك.. فجأة جالي فكرة.. فكرة أخيرة ومجنونة.. لو نجوى مش عايزة ترجعلي كزوج، ولو مش عايزة تاخد الفلوس كـ “تمن لكرامتها”.. أنا هجبرها تاخدها بطريقة تانية.. طريقة تخليها متقدرش ترفض، حتى لو فضلت تكرهني لبقية عمرها.
نزلت من عربيتي وأنا واخد قراري اللي مفيش فيه رجوع. لفيت على كل الشوارع لحد ما وصلت لمكتب المحامي بتاعي. دخلت عليه ووشي خالي من أي تعبير، وبصيت له وقولت بكلمتين وبس: “كل الأملاك، الشركات، الأرصدة في البنوك، والشقة.. كله يتحول فورًا وبلا قيد أو شرط باسم ‘نجوى’.. بس مش كتنازل، حطهالي في بند ‘مؤخر صداق ومستحقات شرعية موثقة’ في حال الطلاق، واعملي صيغة طلاق غيابي جاهزة للإمضاء.”
المحامي بصلي بذهول وقالي: “يا أحمد إنت بتدمر نفسك! إنت كده بتطلع من الدنيا ملطخ، ممعكش جنيه واحد!”
بصيت له وابتسمت بكسرة: “أنا فعلاً ممعيش حاجة.. أنا من غير نجوى مكنش معايا غير كام جنيه، والنهارده برجع لنفس الكام جنيه.”
وقعت على الورق كله.. كل مليم حوشته وتعبت فيه في سنين الغنى راح لصاحبة الحق الحقيقية، الست اللي عاشت معايا على اللقمة والجبنة.. الست اللي لولا وجودها ودعواتها وصبرها مكنتش هبقى “أحمد” صاحب الملايين.
تاني يوم الصبح، روحت لبيت أهلها للمرة الأخيرة. مكنتش شايل في إيدي ورق، ولا تذاكر سفر، ولا أي حاجة.. كنت لابس نفس الطقم البسيط اللي اتجوزتها بيه من عشر سنين. خبطت، فتحتلي حماتي، دخلت الصالة وطلبت أشوف نجوى.
خرجت ووقفت بعيد، ملامحها لسه صلبة وجامدة. بصيت في عينيها لأخر مرة، وطلعت من جيبي ورقة الطلاق الرسمية، ومعاها شيك مقبول الدفع بكل رصيدي، وصورة من التنازل الرسمي الموثق في المحكمة عن كل شبر أملكه.
حطيت الورق على الترابيزة وقولت بصوت هادي، طالع من شريان قلبي اللي بيتقطع:
“أنا نفذتلك طلبك يا نجوى.. وطلقتك. الورق ده مش تمن لكرامتك، ده حقك الشرعي اللي إنتي شقيتي معايا فيه.. الشقة بتاعتك، العربية بتاعتك، والمشاريع كلها باسمك.. إنتي دلوقتي الست الغنية المقتدرة، وأنا رجعت الموظف البسيط اللي مفيش في جيبه غير كام جنيه.. زي اليوم اللي دخلت فيه بيتك أول مرة.”
دموعها لمعت في عينيها، وبصت للورقة بصدمة.. مكنتش متخيلة إني هعملها فعلاً وأطلقها وتتخلى عن كل حاجة.
كملت كلامي وأنا برجع لورا ناحية الباب: “تقدري دلوقتي تسافري برة مصر بأموالك، وتتعالجي، وتتجوزي الراجل اللي يستاهل صون كرامتك، وتخلفي منه العيال اللي يحملوا اسمك.. أنا لغيت نفسي من حياتك عشان تعيشي بني آدمة مرفوعة الراس قدام الدنيا كلها.. سامحيني يا بنت الأصول.”
فتحت الباب وخرجت.. نزلت السلم وأنا حاسس إن جبل كان على صدري وانزاح، وفي نفس الوقت روحي بتتسحب مني. نزلت الشارع، مشيت وسط الناس وأنا مملكش غير لبسي اللي عليا وكام جنيه في جيبي.. بس لأول مرة من سنين، حسيت إني مش خايف من الفقر.
وفجأة.. وأنا ماشي على كورنيش النيل، سمعت صوت جري ورايا.. صوت نفس عالي ومخنوق.. لتفت ورايا وأنا مش مصدق..
كانت نجوى!
كانت بتجري وهي ماسكة ورقة الطلاق في إيدها، ووشها غرقان دموع.. وقفت قدامي وهي بتنهج، وبصتلي بنظرة عمرها ما فارقتني.. النظرة اللي كانت بتبصلي بيها وأنا داخل عليها بعشا بسيط وأنا مكسوف.
رفعت ورقة الطلاق في وشي وقالت بصوت بترعش وهز كياني: “فاكر إنك لما تسيبلي الفلوس وتمشي هتبقى صغرتني؟ فاكر إني وافقت على الطلاق عشان أعيش بفلوسك؟ أنا قولتلك ماليش عندك غير ورقة طلاق عشان أشوف هتهون عليك تسيبني فعلاً ولا لأ.. وإنت هنت عليا يا أحمد.. هنت عليا وطلقتني!”
دموعي نزلت وقولت: “أنا عملت كده عشان كرامتك.. عشان أرجعلك حقك!”
زعقت وهي بتبكي بحرقة ورمت الورق كله في النيل قدام عينيا: “حق مين وفلوس مين!! أنا كان حقي عندك إنت.. كرامتي كانت في حضنك إنت.. أنا عيشت معاك على المرة ومشتكيتش، ولما ربنا كرمك بالوش الحلو كنت مستعدة أستحمل غبائك.. بس تطلقني؟ تبيعني بالسهولة دي عشان تريح ضميرك؟”
قربت مني، ولمست إيدي اللي كانت بترعش، وقالت بنبرة صفت كل وجع السنين في ثانية واحدة: “الفلوس اللي رمتها في النيل دي مش بتاعتي ولا بتاعتك.. إحنا هنرجع من الصفر يا أحمد.. هنرجع للشقة القديمة، والمشروع الصغير.. والسفر اللي برة مصر ده هسافره معاك وإنت موظف بسيط بتستلف عشان تجيبلي العلاج.. عشان لما ربنا يرزقنا بالطفل اللي نفسي فيه.. يعرف إن أبوه وأمه بدأوا من الكام جنيه، ورجعوا للكام جنيه.. بس عمرهم ما سابوا إيد بعض.”
حضنتها في وسط الشارع وأنا ببكي زي الطفل الصغير.. عرفت إن الرزق الحقيقي مش في الخزنة ولا في البنوك.. الرزق الحقيقي هو الست اللي لما الدنيا كلها تبيعك وتغريك.. ترفض الملايين، وتختار “الكام جنيه” اللي في جيبك.. عشان تعيش معاك “فريق واحد” لأخر العمر.
