ثلاث سنين روماني مكرم ٢

مرت ثلاثة أيام.. وفي صباح اليوم الرابع، كنت قاعدة في المحكمة تاني.. بس المرة دي عشان أسمع الحكم النهائي في القض..ية الكبرى اللي شملت العيلة كلها وجنبهم سماح وعزام.

وقفت في القاعة، وبصيت لقفص الاتهام.. لقتهم واقفين جنب بعض: يوسف بالهدوم البيضاء المبهدلة، وجنبه سماح بـكلبش في إيدها ووشها في الأرض والكسرة واكلاها، وفي الآخر عزام المنشاوي وعينه بتطلع شرار.

القاضي دخل، ضرب بالشاكوش، والقاعة كلها سكتت.. وبدأ يقرا منطوق الحكم اللي هيقفل صفحة الماضي ويفتح باب الجحيم الأخير عليهم..

الجزء السادس والأخير:

ساد الصمت في قاعة المحكمة، صمت قاتل لدرجة إن صدى دقات قلبي كان مسموع في ودني. القاضي عدل نظارته، وبص للأوراق اللي قدامه بنظرة حاسمة هزت أركان القاعة، ثم بدأ يقرأ منطوق الحكم بصوت جهوري:

“حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:

أولاً: بمعاقبة المتهم عزام المنشاوي بالسجن المؤبد عما نُسب إليه من إدارة شبكة دولية لتهريب السيارات وغسيل الأموال وحيازة سلا..ح ناري.

ثانياً: بمعاقبة المتهمة سماح عبد العزيز بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات بتهمة الاشتراك في النصب والتزوير والتستر على مجرم هارب.

ثالثاً: بمعاقبة المتهم يوسف محمد بالسجن المشدد لمدة سبع سنوات بتهم تزوير محررات رسمية، وشهادة الزور، والاشتراك في تمرير سيارات مسروقة.”

في اللحظة دي، القاعة اتقلبت مناحة. يوسف صرخ صرخة مكتومة ووقع على ركبه جوة القفص وهو بيلطم على وشه ويقول: “ضيعت نفسي.. ضيعت نفسي يا أمي!”، وسماح دارت وشها في الأرض وهي بتعيط بحرقة وعينها جت في عيني بنظرة رجاء أخير.. بس النظرة دي جت متأخرة قوي، بعد ما المركب غرقت باللي فيها.

أنا كنت واقفة ثابتة، مفيش دموع، مفيش شماتة.. كان فيه بس شعور بالراحة، كأن جبل كان كابس على نفسي واتزاح. نزلت نضارتي السوداء وبصيت ليوسف للمرة الأخيرة، ولفيت ضهري وخرجت من القاعة وأنا بسمع صوت الشاكوش وهو بيقفل القض..ية للأبد.

على باب المحكمة، لقيت والدتي مستنياني.. شكلها كان كبر عشرين سنة، ظهرها انحنى، ووشها دبلان. أول ما شافتني، جرت عليا وهي بتترعش، ومسكت في إيدي وقالت بصوت مخنوق بالدموع:

* “سامحيني يا بنتي.. إحنا ظلمناكي، بعناكي برخيص وإنتِ اللي صنتينا. يوسف هياخد سبع سنين مش هيستحملهم، وأبوكي مات في المستشفى وهو بينطق اسمك وبيطلب عفوك.. ارجعي لي يا ميادة، ماليش غيرك في الدنيا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *