ثلاث سنين روماني مكرم ٢

خلال أسبوعين، بدأت الإجراءات، اشتريت مقر شركة فخم في المعادي، وبدأت أعيّن مهندسين وموظفين. كنت بنزل كل يوم من شقتي في الزمالك بكامل أناقتي، عربيتي الجديدة واقفة تحت، والناس كلها بتبص لي باحترام. نسيت تماماً إن كان فيه يوم اسمي فيه “سوابق”، الفلوس والسلطة بيمسحوا أي حاجة في عيون المجتمع.
وفي يوم وأنا قاعدة في مكتبي بالشركة، السكرتيرة دخلت وقالت لي:
* “بشمهندسة ميادة، فيه واحدة برة مصممة تقابلك، شكلها تعبان وبتقول إنها قريبتك.”
قلت لها تدخّلها.. ودخلت سماح.
كانت لسه في شهرها السابع، بس شكلها اتمهدل تماماً، وشها شاحب، ولابسة عباية قديمة ومبهدلة. أول ما دخلت وقفت قدام مكتبي، ودموعها نزلت، وبشكل مفاجئ ركعت على ركبها قدام المكتب ومسكت في إيدي وهي بتعيط:
* “ببوس رجلك يا ميادة.. ارحمينا.. يوسف هيموت جوة، السجن اتقلب عليه جحيم ومش مستحمل، وأبوكي جاله جلطة من الزعل ومرمي في مستشفى حكومي مش عارفين نعالجه، وأنا مش لاقية آكل أنا واللي في بطني.. إحنا اتعاقبنا خلاص، والبيت وأخدتيه، خدي الفلوس اللي معاكي وكل حاجة بس اتنازلي عن القض..ية وخلي أخوكي يخرج!”
بصيت لمنظرها وهي تحت رجلي.. نفس الست اللي من كام أسبوع كانت بتبخ عليا مطهر وبتقول لي شوفي لك لوكاندة.
سحبت إيدي منها ببطء، وقفت ورا مكتبى وبصيت لها وقلت:
* “تفتكري الكلمة اللي هقولها لك دي يا سماح؟”
سماح رفعت عينيها المليانة دموع بأمل، فكملت كلامي بمنتهى القسوة:
* “زمان يا سماح كنتِ بتقولي إني بقيت فضيحة وما ينفعش أعيش معاكم.. دلوقتي يوسف هو الفضيحة، وروحي قولي لأمي اللي كانت خايفة على مشاعرك، إن البنت اللي كانت حمل تقيل، شالت عيلتكم كلها ورمتها في الزبالة.. ومفيش تنازل.”
سماح صرخت وخرجت من المكتب وهي بتدعي عليا.. بس اللي مكانتش تعرفه سماح، ولا يعرفه يوسف، إن خطوتي اللي جاية مش بس حبس يوسف.. أنا كنت بجهز لمفاجأة تانية تقلب حياتهم وتخليهم يشوفوا الجحيم الحقيقي، مفاجأة هتعرفها في المحكمة الأسبوع الجاي..
الجزء الرابع:
خرجت سماح من الشركة وصوت صراخها لسه بيرن في الممر، بس قلبي ما اتهزش. قعدت على كرسي المكتب المريح، وبصيت من الشباك الإزاز الكبير على شوارع المعادي، وافتكرت السقف الإسمنتي المقشر اللي كنت ببص له لثلاث سنين في سجن القناطر.. الزمن بيدور، واللي افتكر إنه داس على لحمه ونجد نفسه، بيصحى يلاقي نفسه تحت الرجلين.

