قفشته حكايات روماني مكرم ٣

جالي صوته المرعوب والمهزوز وهو بيلهث: “مدام هنا.. الحقيني.. كريم في الحجز انهارده الصبح.. حصله..”

ونشفت الكلمة في حلقه، وسمعت وراه في التليفون دوشة وزعيق وصوت سرينات إسعاف تانية مسموعة من جوه سجن القسم..

سألته ببرود وجمود: “حصله إيه يا أستاذ؟ انطق!”

رد المحامي وصوته بيرتعش بالكامل: “كريم انتحر في الحجز يا مدام هنا! أول ما عرف إنكم ماروحتوش النيابة تتنازلوا، وإن المحامي بتاعكم قدم بلاغ جديد بالابتزاز وارفَق معاه المكالمة المسجلة بتاعتي وبتاعته والفيديو.. عرف إن اللعبة انتهت، وإن القضية القديمة سقطت بالتقادم، وإنه هيلبس قضية ابتزاز وجناية جديدة هتزود سنين سجنه وتضيع شرفه للأبد.. مستحملش الكسرة والفضائح، وشنق نفسه بملابسه في الحجز الصبح.. كريم مات يا هنا!”

قفلت السكة.. التليفون نزل من إيدي على الكنبة وأنا باصة للفراغ. مكنتش حاسة بحزن، ولا كنت حاسة بفرحة.. كنت حاسة بذهول مرعب من عدالة ربنا اللي مابتتأخرش، ومن نهاية راجل عاش بالغش، وخان بالأمان، ومات بالرعب والذل اللي حاول يزرعهم في قلوب الناس.

النهاية مكنتش مجرد ورقة طلاق أو قضية في المحاكم.. النهاية كانت إن كريم كتب سطر موته بإيديه، بعد ما قفل كل أبواب الرحمة في وش نفسه، وساب الدنيا وهو مطرود من الشغل، ومكروه من الناس، ومحكوم عليه من رب العباد قبل قضاة الأرض.

## الحكمة من قصة “حكايات ريم” (بإمضاء الكاتب رماني مكرم)

تخرج القصة من وسط جدران البيوت وشوارع “شبرا” لتترك لنا حكماً ومواعظ تكتب بماء الذهب لكل زوج وزوجة، ولكل إنسان يعيش في هذه الدنيا:

* **البيوت تبنى على الأمان لا على الخداع:** تسع سنوات من الصبر والتضحية والشقاء انهارت في ثانية واحدة لأنها كانت مبنية على أرض هشة من الكذب والغش. من يظن أنه يستطيع إخفاء خيانته وظلمه خلف جدران الصمت، ينسى أن الله مطلع وأن “السر” لابد أن يخرج للعلن، ولو بعد حين.

* **اتقِ شر الحليم إذا غضب:** المرأة التي تحملت ونقلت من محافظة لمحافظة وباعت شغلها ومستقبلها من أجل بيتها، لم تكن ضعيفة.. كانت أصيلة. ولكن عندما تُمس الكرامة، ويُقابل الإحسان بالضرب والإهانة، تتحول هذه الأصالة إلى قوة كاسحة لا تبقي ولا تذر. فلا تراهن على صمت من يحبك، لأن لكل صبر نهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *