خلفت ولدين زهرة الربيع ٣

عادت تثقل كاهل أدهم، وبدأ يسهر الليالي يفكر في مصاريف المحامين والقضايا التي فتحها عمه في أكثر من جبهة. قعدت جنبه في ليلة من الليالي، مسكت إيده وقولتله: “يا أدهم، الأرض والفلوس تروح وتيجي، المهم إحنا وعيالنا نفضل بخير. لو الفلوس دي هتجبلنا الخوف ، خلينا نسيبها ونعيش مستورين زي ما كنا.”
أدهم بصلي بعينين مليانتين بالتحدي وقال: “لا يا وفاء.. المرة دي مش هسكت ولا هستسلم. زمان سكت لأمي وسماح وكانت النتيجة إننا كنا هنضيع ونخسر نادر. المرة دي أنا راجل البيت، وحق أولادي مش هسيب عاطل ولا باطل ياخده. العم ده فاكر إنه يقدر يشتري كل حاجة بفلوسه، بس أنا معايا الحق ومعايا ربنا.”
بدأ أدهم يتحرك بذكاء وسرعة؛ التقى بمحامٍ كبير متخصص في قضايا التزوير وأملاك الدولة. المحامي فحص الأوراق المزوّرة التي قدمها العم توفيق، واكتشف فيها ثغرة قاتلة: تاريخ المادة الورقية ونوع الحبر المستخدم في العقد المزعوم لا يعود إلى خمسة عشر عاماً، بل هو حبر حديث تم تعتيق الورق فيه كيميائياً!
وقرر المحامي أن نلعب بالأسلوب نفسه؛ طلب طعناً بالتزوير في جلسة المحكمة المستعجلة، وفي الوقت نفسه، بدأنا نسعى لإثبات ملكية الأولاد الشرعية في المجمع العقاري بالصعيد وتثبيت ملكيتهم بقرار تمكين رسمي.
لكن العم توفيق، لما شعر أن البساط يسحب من تحت قدميه وأن حيلة التزوير ستنطوي على سجنه، لجوء إلى الورقة الأخيرة والأكثر قسوة.
في يوم أربعاء داكن، كنت أقف في مطبخ الشقة أعد الغداء، والولاد يلعبون في غرفتهم. فجأة، سمعت صوت جرس الباب يرن بصورة متواصلة ومزعجة. فتحت الباب بحذر، لأجد جارتنا في العمارة تقف وشها أصفر وترتعش، وقالت بصوت ملهوف: “الحقي يا وفاء! جوزك أدهم.. المحل بتاعه فيه حريقة كبيرة والناس بتتجمع هناك!”
سقطت الملعقة من يدي، وشعرت بأن الأرض تدور بي. لم أفكر لثانية، أخذت الولاد في إيدي وركضت في الشارع كالمجنونة باتجاه المحل.. كانت أدخنة سوداء كثيفة في السماء، والأهالي يحاولون إطفاء ، وأدهم يقف على الرصيف وجسده ملوث بالسواد، وينظر إلى مصنع رزقه وهو يتحول إلى رماد!
ارتميت عليه وأنا أبكي وأتفحص وجهه: “أنت بخير يا أدهم؟! الحمد لله إنك سليم!”