خلفت ولدين زهرة الربيع ٣

في يوم حفل تخرجهما من الثانوية العامة وبداية مرحلتهما الجديدة، أقمنا احتفالاً صغيراً في منزلنا الجديد الواسع الذي أثثناه بالحب والهدوء. وقفت في البلكونة أراقب غروب الشمس، وأسترجع شريط حياتي منذ اليوم الأول الذي دخلت فيه بيت حماتي؛ يوم أن قيل لي “انتي ولد ولد”، ويوم أن عشت رعب المصيف وضياع نادر، ويوم أن واجهنا تزوير العقد وحريق المحل والمشرط في مدخل العمارة.

اقترب أدهم مني، وضع يده على كتفي بآمان وقال بنبرة ملؤها الامتنان: “بتفكري في إيه يا وفاء؟”

التفت إليه وابتسمت والدموع تتجمع في عيني، لكنها هذه المرة لم تكن دموع خوف ولا قهر، بل كانت دموع فرح وارتياح، وقولتله: “بفكر في كرم ربنا يا أدهم.. بفتكر إزاي كل شدة وكل دعوة شر اتردت على أصحابها، وإزاي ربنا جبر وصان عيالنا وخلى صبرنا ينتهي بفرج كبير.”

أدهم مسك إيدي وبص للولاد وهما بيضحكوا في الصالة وبيخططوا لمستقبلهم، وقال: “أنقذتي البيت ده بشجاعتك وصبرك يا وفاء.. لولا تمسكك بيهم وإيمانك، كنا ضيعنا في وسط الغل والطمع.”

في تلك اللحظة، شعرت أن دائرة الخوف قد أغلقت إلى الأبد، وأن السنين العجاف قد انقضت دون رجعة. سماح عاشت حياتها في هدوء بعد أن تزوجت ورزقها الله بطفلة، وحماتي والعم توفيق صاروا في طي الماضي والجزاء العادل، وأنا استرددت أنفاسي وأمومتي كاملة غير منقوصة.

جلست بين أدهم وسامر ونادر، وأنا وأشعر بدفء النجاح الحقيقي؛ النجاح ليس في الملايين ولا في الأملاك، بل في أن تحمي من تحب، وأن تخرج من ظلمات الظلم والأنانيات مرفوع الرأس، لتبدأ حياة جديدة ملؤها السلام والأمل والمستقبل المشرق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *