طلاق يوم الصباحية انجي الخطيب ٣
جلس كبار المشايخ والعمد في صالون بيتنا، ورؤوسهم في الأرض من الخزي، يتقدمهم الحاج عبد الرحمن عم محمود، وحماي الذي بدا عليه الانكسار الشديد بعد الفضيحة التي جلبتها أفعال زوجته وبناته لسمعة عائلتهم في القرى المجاورة. كان أبي يجلس في صدر الصالة، وإلى جانبه أعمامي، ووجوههم جامدة كالصخر، يرفضون حتى تقديم واجب الضيافة المعتاد قبل أن يسمعوا ما جاء من أجله هؤلاء الرجال.
تنحنح أحد عمد القرى المجاورة، وهو رجل مسن ذو هيبة، وقال بصوت جهوري: “يا حاج أحمد، إحنا جايين لك اليوم وفي وجهنا عتب، وجايين نشيل العيبة اللي حصلت. إحنا عارفين إن اللي حصل مع بنتك نيرمين يزعل الحجر، وأفعال الحريم دي متقاسش على أصول الرجال. محمود غلط، وأمه غلطت، وإحنا جايين لحد بيتك ونقولك حقك علينا، واطلب اللي ترضى بيه عشان نرجع العروسة بيتها والبيوت تتصلح.”
رد أبي بنبرة حاسمة هزت أركان الغرفة: “يا معالي العمدة، الأصول دي تتقال لما يكون في رجال صانت الأمانة. لكن لما بنتي تتدخل بيتها بالزغاريد، وتاني يوم تضرب وتجوع وحاجتها تتسرق من شقتها، وجوزها يقفل عليها الباب بالمفتاح ويقف يتفرج على إهانتها، ويبقوا مستخسرين فيها لقمة تاكلها من أكل أبوها… يبقى الكلام عن الأصول هنا عيب! بنتي مش هترجع للبيت ده، ومحمود طلقها تلاتة بلسانه في شقتها، والبيوت اللي متصانش فيها كرامة الحريم، متلزمناش.”
وقع كلام أبي كالصاعقة على حماي، الذي تدخل بسرعة وصوته يرتجف: “يا حاج أحمد، محمود ابني كان غايب عن الوعي ومن غضبه طلق، والطلاق في الغضب وسط المشاكل ملوش قوع، وإحنا مستعدين نكتب شقة نيرمين باسمها، ومحدش من حريم عيلتي يعتب عتبة شقتها تاني، بس بلاش خراب البيوت وفضايح القرى.”
هنا وقف عمي الكبير وقال بحدة: “الكلام ده ملوش صرف عندنا. بنتي تطلق رسمي عند مأذون، وحقها في القائمة يرجع تالت ومتلت بالمليم، والحلل اللي حماتك نازلة تسرقها الفجر عشان تطبخ فيها عزومتها، هتيجي في عربيات وترجع مكانها هنا!”
عند ذكر قائمة المنقولات (القايمة)، لمح عمي نظرة مريبة تبودلت بين حماي وأخيه عبد الرحمن، نظرة لم تطمئن لها القلوب. حاول الحاج عبد الرحمن تلطيف الأجواء قائلاً: “يا جماعة، القايمة وحق البنت محفوظ، بس إحنا جايين للصلح ومش عايزين ندخل في محاكم وقضايا، ادونا مهلة يومين بس نهدي النفوس، ومحمود هييجي بنفسه مع المأذون ونشوف الصيغة اللي ترضيكم.”
انتهت الجلسة دون الوصول لقرار، وخرج وفد عائلة محمود بعد أن أصر أبي على أن الطلاق الرسمي هو الحل الوحيد، وأنه لن يتنازل عن حق ابنته القانوني والمادي.
لكن حدسي لم يكن يكذب أبدًا. في اليوم التالي، وبينما كنت أ جالس أمي في غرفتي وأنا أحاول استيعاب كيف تحولت حياتي إلى ركام في ثمان وأربعين ساعة، رن هاتف أمي. كانت المتصلة جارتي القريبة من بيت عائلة محمود في القرية الأخرى، وهي امرأة طيبة كانت تحبني وتستنكر ما يفعلوه.
قالت جارتي بصوت واطئ يملأه الفزع والسرية: “الحقي يا نيرمين.. الحقي يا بنتي وبلغي أبوكي وأعمامك فوراً! محمود وأمه وخالاته جايبين عربية نقل مقفولة واقفة ورا البيت من الفجر، وشغالين ينقلوا في عَفشك وجهازك كله من الشقة ويطلعوه برة البلد! أم محمود بتقول طالما خربانة خربانة، وهيدفعوا القايمة، يبقى يسرقوا العفش كله ويخبوه في شقة خالتها في مركز تاني، ولما المحكمة تيجى تعمل عاينة للشقة يلاقوها فاضية ويقولوا إنك أنتِ اللي أخدتي حاجتك وإحنا معناش حاجة نديها لك!”
طارت الدماء من عروقي، وجريت إلى الصالة وأنا أصرخ بأعلى صوتي لأبي وأعمامي: “الحقوا يا بابا! بيبددوا القايمة! محمود وأمه بيسرقوا العفش من الشقة وبيهربوه في عربيات نقل عشان يضيعوا حقي!”
وقف أبي كالملسوع، وتواصل في ثوانٍ مع محامٍ من معارفنا، الذي قال له بصوت حاسم: “يا حاج أحمد، اطلعي فوراً مع رجالتك على مركز الشرطة واعملوا محضر إثبات حالة وتبديد منقولات زوجية، وأنا هجيب قوة ونطلع على هناك، لازم نتمسك بيهم وهما متلبسين بنقل العفش، لو العربية مشيت وضاع العفش، هندخل في متاهات محاكم هتقعد سنين!”
لم تمر دقائق، حتى كانت سيارات عائلتي تتحرك بسرعة جنونية نحو قريتهم مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن المواجهة مواجهة كلام أو جلسات عرب… كانت سباقاً مع الزمن لإنقاذ شقا عمري وكرامتي قبل أن يختفي تحت جنح الظلام…
وعندما وصلنا إلى مدخل الشارع، كانت المفاجأة التي لم يتوقعها محمود وأمه في انتظارنا، حيث اصطدمت سياراتنا بعربة النقل وهي تحاول الخروج من زقاق ضيق، وتبدأ معركة أخرى كادت أن تنتهي بالدم…
ترجل رجال عائلتي من السيارات كالإعصار قبل أن تتوقف تماماً، وأحاطوا بسيارة النقل من كل جانب. التفت سائق السيارة برعب وهو يرى أعمامي وأبناء عمومتي يغلقون عليه المنافذ، فضغط على المكابح بقوة لتحدث ضجة هزت أرجاء الشارع الضيق.
خرج محمود وأمه من بوابة البيت مسرعين على صوت الصراخ، وكانت وجوههم مغطاة بالغبار من أثر تجميع العفش على عجل. بمجرد أن رأتني حماتي وأنا أقف بجانب أبي، تراجعت خطوة إلى الوراء، لكنها سرعان ما استجمعت جرأتها الزائفة وصاحت بصوت جهوري لتجمع أهل الشارع: “الحقونا يا ناس! الحرامية جايين يتهجموا علينا في بيتنا للمرة التانية! جايين يبلطجوا علينا!”
تقدم أبي نحوها وعيناه تشعان شرراً، وأشار بعصاه إلى عربة النقل وقال بصوت زلزل المكان: “الحرامية هما اللي بيسرقوا شقا الناس بالليل ويهربوه يا أم محمود! هما اللي بيخونوا الأمانة ويبددوا حاجتنا! افتحوا العربية دي فوراً!”
خرج حماي وعمه عبد الرحمن على إثر الضجة، وبدا على وجوههم الذهول والخزي بعد أن كُشفت مؤامرتهم الدنيئة أمام البلدة بأكملها. تقدم الحاج عبد الرحمن محاولاً تدارك الموقف وقال بتلعثم: “يا حاج أحمد، استهدى بالله، إحنا كنا بننقل العفش بس عشان ندهن الشقة ونصلحها… مكنش قصدنا حاجة!”
ضحك عمي الكبير بسخرية وقال: “تدهنوا الشقة الساعة خمسة الفجر وفى عربية نقل مقفولة ورايحة على مركز تاني؟ العبوا غيرها يا حاج عبد الرحمن، اللعبة بتاعتكم اتكشفت، والشرطة زمانها على وصول!”
بمجرد ذكر الشرطة، التفت محمود لأمه برعب شديد، فالتبديد جنحة مخلة بالشرف قد تقضي على مستقبله بالكامل وتدخله السجن. حاول محمود التقدم نحو أبي والدموع في عينيه وقال بنبرة ذليلة: “يا عمي أحمد، عشان خاطر ربنا بلاش بوليس وفضايح، إحنا ولاد بلد واحدة، وأنا مستعد أكتب تنازل عن كل حاجة بس بلاش حبس!”
لكن أمه جذبته من يده بقوة وصاحت فيه: “تنزل على إيد مين يا خايب؟ هما يقدروا يثبتوا إني دي حاجتهم؟ العربية مقفولة ومحدش له حق يفتحها!”
وفي تلك اللحظة القاتلة، وصلت سيارة الشرطة مصحوبة بالمحامي وقوة من رجال المباحث بناءً على البلاغ السريع الذي قدمه أبي. ترجل الضابط ونظر إلى التجمع وعربة النقل، وقال بحسم: “محدش يتحرك من مكانه! السواق ينزل ويفتح العربية دي فوراً!”
حاولت حماتي الاعتراض وقالت: “يا باشا دي حاجتنا وبننقلها…”
قاطعها الضابط بحدة: “المحضر مفتوح بتبديد منقولات، وافتحوا العربية عشان نعمل مطابقة مع أصل القائمة اللي مع الحاج أحمد.”
اضطر السواق لفتح باب السيارة الخلفي، وهنا كانت الصدمة… العفش كان مكدساً فوق بعضه بإهمال شديد، غرف النوم التي اختارها أبي من أجود الأنواع كانت مخدوشة، والحلل والأجهزة الكهربائية التي دُفع فيها دم قلب أبي كانت ملقاة وكأنها خردة. بكيت بحرقة وأنا أرى جهازي الذي لم أهنأ به يوماً واحداً وهو يهان بهذا الشكل.
بدأ الضابط في مطابقة المنقولات مع القائمة، وكلما ذكر قطعة، أشار المحامي إليها، حتى ثبت بالدليل القاطع أن عائلة محمود كانت تهرب العفش بالكامل برة البلد. نظر الضابط لمحمود وحماي وقال: “أنت وهو والسواق، اتفضلوا معانا على المركز بتهمة التبدبد المشهود.”
انهارت حماتي وبدأت في الصراخ والعويل، وجرت نحو أبي تحاول تقبيل يده وهي تبكي: “سامحنا يا حاج أحمد! الله يخليك بلاش حبس لابني! محمود هيروح في داهية! خدوا العفش كله وخدوا الشقة بس بلاش المحضر!”
تنحى أبي جانباً بنفور واشمئزاز، ونظر إليها وقال ببرود قاتل: “المرة اللي فاتت قولتلك البيت ده مش بتاع ابنك لوحده، ودلوقتي بقولك، القانون هو اللي هيجيب حق بنتي، واليوم اللي ضربتوها فيه وجوعتوها، هتدفعوا ثمنه في المحاكم.”
تمت مرافقة محمود وحماي والسائق إلى مركز الشرطة وسط نظرات الاحتقار من أهل قريتهم الذين تبرأوا من فعلتهم الدنيئة. وأمر الضابط بنقل العفش بالكامل في ذات العربة إلى بيت أبي ليكون في حرز حريز.
عدنا إلى بيتنا، ورغم استرداد جهازي، إلا أن النيران في قلبي لم تخمد، فمحمود لا يزال زوجي على الورق، والطلاق الشفهي الذي ألقاه بحاجة إلى إثبات رسمي أو قض..ية خلع صعبة وطويلة في المحاكم، وعائلته بعد هذه الفضيحة لن تتركني وشأني…
وفي منتصف الليل، وبينما كان الهدوء يخيم على بيتنا، تلقى أبي اتصالاً هاتفياً من شخصية لم نكن نتوقعها أبداً، شخصية من داخل عائلة محمود تنوي قلب الطاولة عليهم وعرضت علينا سراً خطيراً سيغير مسار القض..ية تماماً ويجعل محمود يركع تحت أقدامنا مجبراً…
