خلفت ولدين زهرة الربيع ٢

الدموع نزلت من عين حماتي زي المطر، وبصت لنادر وسامر كأنها بتعتذر لهم عن كل دعوة وعن كل شر فكرت فيه.

خرجنا من البيت ده وإحنا حاسين إن حبل الخوف اللي كان خنقنا طول السنين دي اتفك تمامًا. بس هل التسامح ده كان نهاية المطاف؟ ولا كان مجرد الستار اللي بيتقفل على ماضي مظلم، عشان تفتح بوابة لمستقبل وشخصيات تانية كانت مستنية اللحظة المناسبة عشان تظهر في حياتنا وتطالب بحق قديم مكنش على البال؟

مرت الأيام بعد زيارتنا الأخيرة للبيت القديم، وكانت أزمة حماتي الصحية بمثابة نقطة التحول الأخيرة التي أغلقنا بها صفحات الماضي الأليم. وفاة حماتي بعدها بأسابيع قليلة مرت بسلام وهدوء، وحضر أدهم العزاء وأدى واجبه كابن بار رغم كل ما حدث، ودعونا لها بالرحمة والمغفرة، متأملين أن تكون أيامها الأخيرة في المرض كفارة لها عما اقترفته في حق الجميع.

بدأت حياتنا تأخذ منحنى مختلفاً تماماً؛ أدهم استقر في عمله وافتتح مشروعاً صغيراً خاصاً به لقطع غيار السيارات، وأنا تفرغت لتربية سامر ونادر اللذين أتما عامهما السادس والتحقا بالمدرسة. كانت الحياة هادئة، مليئة بالدفء والاستقرار الذي حرمنا منه لسنوات، حتى ظننا أن أمواج المشاكل قد انحسرت للأبد، ولم نكن نعلم أن هناك عاصفة جديدة تتشكل في الأفق من مكان لم يخطر ببال أحد.

في أحد أيام الشتاء الباردة، وبينما كنت أعد الطعام والولاد يراجعون دروسهم في الصالة، رن هاتف أدهم. كان المتصل رقماً دولياً غير مسجل. رد أدهم باستغراب، ولحظات حتى تغيرت ملامح وجهه وانعقدت حاجباه، واكتفى بكلمات قصيرة: “نعم؟.. مين حضرتك؟.. مش ممكن! أنت بتتكلم جد؟”

انتهت المكالمة ووقف أدهم مذهولاً، ينظر إليّ بنظرات حائرة. قاطعت صمته بقلق: “في إيه يا أدهم؟ مين اللي بيكلمك من برة مصر؟”

تنفس ببطء وقال بصوت مرتضح: “ده عمي.. عمي توفيق اللي مسافر الخليج من أكتر من عشرين سنة وقاطعين أخبار بعض!”

استغربت جداً، فأدهم لم يذكر عمّه هذا إلا نادراً، وكان معروفاً بأنه رجل أعمال بنى ثروة كبيرة في الخارج وانقطعت صلته بالعائلة تماماً بعد خلافات قديمة مع والد أدهم وحماتي حول ميراث أرض قديمة في الصعيد.

سألته: “وإيه اللي أفتكره بينا دلوقتي؟ خير إن شاء الله؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *