حكايات زهرة الربيع ١

بنتي اتجوزت بعيد عني.. سافرت لآخر الدنيا في الصعيد وبقالي يومين كل ما اسأل عنها جوزها يطلعلي بحجه ..ولما ردت عليا اخيرا قالتلي جمله خلت قلبي هيقف وسافرتلها في نص الليل.

بنتي اتجوزت في الصعيد بعيد عني و​رغم المسافة، مكنش بيعدي يوم من غير ما أكلمها فيديو كول.

​أول امبارح، جوزها قالي إنها واخدة دور برد شديد ونامت بدري.

​وامبارح، قالي زورها واجعها ومش قادرة تتكلم.

​لحد النهاردة، لما طلع وقالي إنها بقت زي الفل وصحتها بومب.

​شفتها في الشاشة، كانت قاعدة هادية ومستكينة في حضنه، ومرسومة على وشها ضحكة رقيقة.

​ضحكت وسألتها:

“أنا بفكر أطلع رحلة كام يوم كدة.. إيه رأيك أروح الفيوم يا مريم؟”

​بنتي ردت عليا في ثانية:

“لأ يا ماما، روحي رأس البر أحسن.”

​في اللحظة دي، جسمي كله قشعر، وحسيت برعشة في ضهري.

جسمي عرق في ثانية!

​أول ما قفلت السكة، قمت جري لميت هدومي في الشنطة.

​المسافة من بيتنا هنا في طنطا لحد بلد جوزها “مدحت” في قنا، أكتر من 600 كيلومتر.

​لو فكرت أركب مواصلات، هضطر أخد القطر السريع وبعدين أغير لميكروباصات تانية تمشي في مدقات جبلية، وأقرب ميعاد سفر هيكون بكره العصر.

​بس أنا مكنتش قادرة أستنى ثانية واحدة.

​كلمت ابني “أحمد” وقولتله يدور العربية ويجهز عشان هنسافر حالاُ.

​لما عرف إننا رايحين لأخته، فرح جداً وزعق من الفرحة.

​من يوم ما أخته اتجوزت وسافرت الصعيد، مكنتش بتنزل غير مرة واحدة في السنة، والمرة دي بقالنا قرب سنة كاملة مشوفناش بعض.

​”استنيني يا أمي خمس دقائق.. هعدي على المحل أجيب جوزين الحمام المحشي اللي أختي بتموت فيهم.”

​شاورتله بإيدي وقولتله:

“مش لازم حمام.”

​”أومال أجيب إيه؟”

​”انزل هاتلي شاقوف (بلطة صغيرة) من عند الموان.”

​أحمد تنح وتنّح ووشه اتخطف:

“بلطة يا أمي؟! وإحنا رايحين ل أختي هناخد معانا بلطة ليه؟!”

​”المطاوي والسكاكين الكبيرة بتبقى س*لاح أبيض وممنوعة في الأكمنة، لكن البلطة تعتبر عدة شغل عادي.”

​بصلي وهو مش فاهم حاجة خالص:

“هو في إيه يا ماما؟ إحنا مش رايحين نزور أختي برضه؟”

​رديت عليه ببرود وثبات:

“أختك كانت بتقولي إن الطريق الجبلي عندهم فيه شجر شوك وبوص كتير بيقفل السكة، وساعات بيحتاجوا يقطعوه.. أهو ينفعنا.”

​أحمد هز رأسه وهو مش مقتنع أوي، بس نزل جري وهو مستعجل.

​فكرت ثانية وندهت عليه من البلكونة:

“بقولك إيه! بلاش حمام خالص.. أختك حامل ومش هتقدر تأكل الحاجات دي.”

​عينه لمعت من الفرحة:

“أختي حامل؟! يعني أنا هبقى خال؟ يا فرج الله! ده أنا لازم أشتريلها لعب وحاجات للبيبي بقى!”

​”قدامك بالضبط عشرين دقيقة.. لو متلقيتكش قدامي، هسوق أنا وأمشي.”

​كنت خايفة بنتي ميكونش عندها وقت تستنى كل ده.

​أحمد نزل السلم زي الطلق، هو أصلاً بيلعب ألعاب قوى وجسمه رياضي وطويل، حركته سريعة جداً.

​استغليت الوقت ولميت باقي الحاجات، وفكرت ثانية وقمت حاطة في الشنطة مسن حديد من بتاع المطبخ.

البلط اللي بتتباع في السوق اليومين دول بتبقى حديد صاج خفيف، خبطتين والشفة بتاعتها تتلم.. لازم تتدق وتتسن كويس.

​مكملش العشرين دقيقة وكان واصل، غرقان في عرقه، دخل الحمام أخد دش سريع على الماشي.

أنا نزلت قبله، رتبت الشنط في الشنطة وفتحت الـ GPS وقعدت في الكرسي اللي جنب السواق.

​الشارع بره كان زحمة والعربيات رايحة جاية، بس عقلي مكنش فيه غير صورة بنتي في المكالمة الأخيرة.

​الدنيا حر نار، وهي قاعدة ولابسة عباية بكم مقفولة لحد رقبتها!

وشها وخسسانها كان باين جداً.. بس بطنها من تحت كانت بارزة شوية.

لو تخميني صح، فهي فعلاً حامل.

​طول المكالمة، إيد مدحت مكنتش بتفارق وسطها وبطنها.. اللي يشوفهم يقول منتهى الرومانسية.

بس أنا عارفة بنتي.. مريم خجولة جداً، وعمرها ما كانت بتحب تظهر مشاعرها أو تتملق قدام حد، حتى لو قدامي أنا شخصياً.

​عشان كده…

بنتي كانت مجبرة.. كانت تحت التهديد!

​أول ما الفكرة دي جت في بالي، دموعي غلبتني وحسيت بنار في صدري.

مريم.. يا قلب أمك.. إيه اللي جرى لك؟

​أحمد ركب العربية وهو شايل كيسين فيهم فراخ بلدي متبلة ومستوية جاهزة.

“يا أمي، مريم بتحب الفراخ دي برضه، أخدتها من الفريزر معانا.”

​”ماشي يا حبيبي..

​غمضت عيني وسندت ظهري، بحاول أهدي ضربات قلبي، بس جسمي كان بيرتعش غصب عني.

كنت ندمانة.. ندمانة إني موقفتش للجوازة دي بالمرصاد من الأول.

​بنتي مريم ومدحت كانوا زمايل في جامعة طنطا.

يوم التخرج، كنت أتمنى يقعدوا هنا في المدينة ويشقوا طريقهم. أنا معنديش غير ولد وبنت، وجوزي مات من بدري وشقيت عليهم لوحدي لحد ما كبروا.

أحمد شقي وحركي زي القرد، ومريم هادية وطيبة زي النسمة.

مكنتش عايزة أبعدها عن حضني.. كنت خايفة مأقدرش أحميها لو جرى لها حاجة.

​بس مدحت كان متمسك وقال إن بلدهم في الصعيد فيها مشاريع ومستقبل، وإن أهله طفحوا الدم عشان يعلموه ولازم يرجع يرد لهم الجميل.

​أنا رفضت رفض قاطع.. بس بنتي قلبها خفيف وطيب.

ولأول مرة في حياتها تعصاني، ووافقت وكتببوا الكتاب

من غير فرح.. ومن غير شبكة تليق بيها.

​أحمد وقتها قالي: “يا أمي مدحت ده بيلعب بأختي وبيرسم عليها”، بس مريم ضحكت وقالت: “أهله على قد حالهم يا ماما، بلاش نبقى ماديين.”

بنتي مكنتش تعرف الدنيا فيها إيه ولا قلوب البشر مخبية إيه.

جواز البنت بعيد عن أهلها بيبقى قمار.. رهان على ضمير الراجل اللي معاها.

ومدحت ده… هل عنده ضمير أصلاً؟

​طول السنة اللي فاتت، حاولت أروح أزورها كذا مرة، وكل مرة يطلعوا بحجة تمنعني.

ومريم كانت دايماً بتبين إنها أسعد واحدة في الدنيا.

دلوقتي بس فهمت.. كل ده كان تمثيلية متفبركة ومحبوكة صح.

أنا بجد هأكل نفسي من الندم إني مفهمتش بدري.

​فجأة.. العربية فرملت جامد.

أحمد قال: “في حاجة غلط يا أمي.”

​بصيت قدامي، لقيت الطريق واقف تماماً وفي تحويلات وأعمال صيانة للطريق السريع.

أحمد قال: “تفتكري نلف وناخد الطريق الصحراوي التاني؟”

​فتحت الخريطة على الموبايل.. لو لفينا هنزود أكتر من 60 كيلومتر.

أنا مكنش عندي وقت أضيعه.

بس السكة قدامنا مقفولة فعلاً ومفيش مجال نعدي.

قعدت أدقق في الخريطة ثواني، وشاورت بصبعي على مدق صغير:

“خش من السكة دي.”

​أحمد بصلي بذهول: “يا أمي ده مدق ضيق وكسر! عربيتين ميعرفوش يعدوا من جنب بعض فيه.. وإحنا بقينا نص الليل، عايزانا نمشي فيه؟!”

​”امشي فيه وأنت ساكت،” قولتهاله بلهجة حاسمة.

“الحتة الضيقة دي متكملش كيلومتر واحد، أول ما نعديها هنرجع لخط الأسفلت السريع تاني.”

​بص في عيني طول أوي، ووشه قلب وبقى سيريس جداً:

“أمي… هو في حاجة حصلت ل مريم؟”

​فكرت شوية وهزيت رأسي: “غالباً اه.”

​أول ما سمع الكلمة، عروقه نفرت ودمه فار:

“ابن *** مدحت ده، صح؟ أنا من أول يوم شوفت خلقته وأنا مش طايقه.. وربنا ل أروح أفرتكوا!”

​الغل والشياطين كانت بتنط من عينه.

أحمد من صغره وهو متعلق باخته جدا .. يوم ما اتجوزت، قفل على نفسه الأوضة يوم كامل

شفت منظره وهو قايد نار، قمت مخبطاه بالراحة على دماغه:

“شغل مخك ده.. بلاش غشومية.. فرتك مين وبتاع مين؟ أنت فاكر نفسك في عصر الفتوات؟ ركز في السواقة وبس

​العربية طارت وسط الضلمة، وبعد وقت مش كتير، رجعنا تاني على الطريق السريع.

​طلعت الموبايل وقعدت أعيد الفيديو كول بتاع العصر تاني وتاني.

من أول ثانية في المكالمة وأنا حاسة بإن في حاجة مش طبيعية.. الكاميرا كانت مرفوعة لفوق زيادة عن اللزوم، ومبينة بس من أول بطنها وطالع.

إحساس الأم كان بيقولي إن مدحت بيخبي حاجة تحت كادر الكاميرا.

عشان كدة أنا سجلت الشاشة فيديو وأنا بكلمها.

​أحمد قرب مني وبص على الشاشة:

“يا ماما، هي مريم مالها طالعة ميبسة كدة زي بتوع الذكاء الاصطناعي (AI)؟”

حواجبة اتقفلت: “تفتكري تكون عاملة فينا مقلب ومغيرة وشها بالبرامج عشان تضحك معانا؟”

​بصيت له بطرف عيني: “أختك وش المقالب دي؟”

​”وماله، جايز.. أول امبارح وامبارح مكنتيش عارفة توصلي لها، وأنتِ قولتي لها بهزار لو مظهرتيش هبلغ الشرطة.. يمكن خافت تقلقي فعملت كدة.”

​وطلع موبايله وفتح أبلكيشن، وفي ثواني غير وشه وصوته تماماً.. لدرجة تخليك تشك في عينك.

​سألته: “يعني أنت شايف إن اللي في الفيديو دي مش أختك؟”

​مسك الموبايل ودقق أوي:

“مش قادر أحكم.. بس بصي يا أمي.. ملامح وشها وتعبيراتها ثابتة مبتتحركش تقريباً، وإيد جوزها ثابتة في نفس المكان مابتتهزش.. ده شغل AI واضح أوي.”

طب ​”لو الـ AI والبني آدم الحقيقي بقوا شبه بعض بالمنظر ده… هنفرق بينهم إزاي؟”

​”سهلة يا ماما.. الـ AI ميعرفش الأسرار والحاجات الخاصة اللي بينكم.. يعني لو سألتيه على حاجة سر، وجاوب صح، يبقى بني آدم حقيقي.”

​في اللحظة دي.. عقلي وقف تماماً.

​”رأس البر…”

​مسكت الموبايل وضغطت عليه بكل عزمي وعيني بتطلع شرار:

“رأس البر دي.. هي الشفرة االي في الفيديو بنتي ..بنتي في مصيبه !!!!!!!!

 

العربية كانت بتنهش الأسفلت في الضلمة، ونور الكشافات بيقطع عتمة الطريق الصحراوي زي السكين. كلام أحمد عن الذكاء الاصطناعي طير برج من دماغي، بس خلاني أربط الخيوط ببعضها.

مسكت الموبايل، وفتحت الفيديو المسجل للمكالمة تاني. عيني كانت مركزة على الشاشة مش بتترمِش.

“رأس البر…” الهمس ده طلع من بين سناني مخنوق.

أحمد لمح التوتر اللي صابني، هدى السرعة سنة وبصلي: “مالك يا أمي؟ قفشتي إيه في موضوع رأس البر ده؟”

رديت وصوتي بيرتعش من كتمة الغيظ والخوف: “أختك مريم، من وهي عندها سبع سنين، لسة مكملتش ثانية في ابتدائي، سافرنا مصيف رأس البر. هناك تاهت مني على الشاطئ وقعدنا ندوّر عليها خمس ساعات كاملين لحد ما أعصابنا باظت والشرطة اتدخلت. البنت من يومها جالي ليها عقدة نفسية، وبقت بتخاف من السفر، وبتكره سيرة رأس البر كره العمى! عمرها في حياتها ما تقول الكلمة دي، ولا تقترحها على حد.. دي الشفرة يا أحمد! مريم كانت بتبعتلي إشارة استغاثة، كانت بتقولي بطريقتها: (أنا تائهة وفي مصيبة يا ماما.. الحقيني).”

أحمد ضرب الدريكسيون بقبضة إيده لحد ما المزمار ضرب بصوت عالي في وسط الصحراء: “ابن الكلـب! يعني هو كان قاعد جنبها ومجبرها تقول كلام معين، وهي ذكية واستغلت الفرصة ولعبت بيه؟”

“بالظبط…” قاطعت كلامه وعيني على الـ GPS: “هو ميعرفش تاريخنا ولا أسرارنا، كان ملقنها تقول (لأ يا ماما متسافريش وخليكي في بيتك)، وهي رمت الكلمة دي عشان تفوقني. بس اللي هجنني.. شكلها في الفيديو! التيبس اللي في حركتها، النظرة الباهتة.. مريم مش مجرد خايفة، مريم فيها حاجة تانية كبيرة مخبية تحت الكادر!”

الليل عدا تقيل وممل، مفيش صوت غير صوت الموتور وصوت أنفاسنا المتلاحقة. كل ما نعدي كمين، أحمد يهدي السرعة ويثبت نظراته، والبلطة ومسن الحديد مستخبيين ورا الكراسي بعناية. الشك كان بياكل قلبي، وتخميني عن حملها زود رعب فوق رعبي.. لو كانت حامل فعلاً، ومدحت ده بني آدم سيكوباتي، يبقى بنتي في خطر مضاعف.

على الساعة ستة الصبح، بدا نور الفجر يشق عتمة الجبال، والـ GPS أعلن إننا دخلنا حدود محافظة قنا. السكة بدأت تضيق، والبيوت الطوب الأحمر والبيوت القديمة بدأت تظهر على جوانب الطريق، والمدقات الجبلية اللي مريم كانت بتحكي عنها بقت واقع بنمشي فيه. العربية بدأت تتهز جامد بسبب تكسير السكة.

أحمد وشه كان عرقان وعيونه حمرا من قلة النوم والعصبية: “أمي، إحنا قربنا نوصل.. البيت بتاعه في طرف القرية زي ما مريم كانت كاتباه في النوتة بتاعتك؟”

“آه.. البيت معزول وقريب من ناحية الجبل.. سيب العربية بعيد شوية يا أحمد، مش عايزاهم يحسوا بصوت الموتور.”

ركن أحمد العربية ورا صف شجر جميز قديم وكثيف. النور كان لسة مبحلقش والبلد هادية، مفيش غير صوت كلاب بتعوي من بعيد. نزلت من العربية، ورجلي شيلاني بالعافية من طول السفر والخوف. أحمد مد إيده ورا الكرسي، وطلع البلطة الصغيرة وحطها في جيبه الداخلي للجاكيت، وأنا أخدت مسن الحديد في كم العباية.

مشينا في ممر ضيق ومغبر لحد ما ظهر البيت. بيت كبير من دورين، بس باين عليه السكون، النوافذ كلها مقفولة بشيش خشب ثقيل، ومفيش أي أثر للحياة.

أحمد قرب من الباب الخشب الضخم وبدأ يخبط بقوة وهدوء في نفس الوقت عشان ميعملش شوشرة في الحتة كلها.

أول خبطة.. تانية.. تالتة.

مفيش رد.

بدأت أسمع خروشة خفيفة من ورا الباب، وصوت خطوات بطيئة جداً بتقرب. قلبى دق بسرعة جنونية.

وفجأة، الباب اتفتح مواربة.. وظهر وش “مدحت”.

كان قالب وشه، عيونه منفوخة وواضح عليه الارتباك الشديد أول ما شافنا، الضحكة الصفرا المرسومة على وشه اتمحت في ثانية، وحل مكانها ذهول ورعب: “حماتي؟! أحمد؟! أنتوا إيه اللي جابكم هنا في الوقت ده ومن غير ميعاد؟!”

زقيت الباب بإيدي بقوة مكنتش أعرف إنها عندي: “وسع كدة يا مدحت.. جاية أشوف بنتي اللي صحتها بومب!”

دخلت الصالة الكبيرة، كانت ضلمة وكئيبة، وريحة المكان غريبة.. ريحة شبه المستشفيات على ريحة أدوية نفاذة. مدحت جرى ورانا وحاول يقف قدام السلم اللي بيطلع للدور التاني وهو بيترعش ويقول بصوت مرعوب بيحاول يخليه طبيعي: “يا جماعة مينفعش كدة! مريم نايمة.. قولت لحضرتك واخدة علاج شديد ومنوم ومش هتحس بحد دلوقتي.. اتفضلوا ارتاحوا في المندرة وأنا هعملكم شاي.”

أحمد قدم خطوة واحدة، وصدره عالي وواطي، وبص لمدحت بنظرة تخلص على العمر: “أنا أختي لو محصلتهاش في ثانية، رقبتك دي هتبقى في إيدي.. أبعد عن السلم!”

مدحت حاول يمد إيده عشان يمنع أحمد، بس أحمد زقه بكتفه زقة رمته على الأرض. طلعنا السلم جري، ومدحت ورا الصراخ بتاعه بدأ يعلى: “يا ناس يا هوه.. حرام عليكم.. متخربوش بيتي!”

وصلنا للدور التاني، كان فيه ممر طويل آخره باب أوضة منور خفيف من تحت العتبة. جريت على الباب وفتحته بقوة.

المنظر اللي شفته جوة الأوضة خلى ركبي تسيب، وصرخة مكتومة وقفت في زوري.

الأوضة كانت مليانة أجهزة طبية، خرطوم محاليل معلق، ومريم بنتي كانت نايمة على السرير.. وشها شاحب زي الأموات، وجهاز رسم القلب الصغير محطوط جنبها..

ولما ركزت في السرير، لقيت إيديها ورجليها مربوطين بجنازير حديد وقفل في طرف السرير!

وفي ركن الأوضة.. كان فيه لابتوب مفتوح، وشغال عليه برنامج بيعالج فيديو المكالمة الحية اللي دارت بيننا وبيركب وش مريم بصورة حية على جسم حد تاني قاعد في الأوضة!

قبل ما أستوعب الصدمة، سمعت صوت قفل الباب الرئيسي للأوضة بيتفزع ورانا، وصوت مدحت بيضحك ضحكة هستيرية من برة وهو بيقفل الترباس الحديدي التقيل:

“أنتوا اللي جيتوا لقضاكم برجلكم.. مريم مش هتخرج من هنا، وأنتوا كمان مش هتخرجوا!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *