حماتي واكلي زهرة الربيع ٣

أنا دموعي نزلت بانهيار، وسألته بحشرجة: — «طب وطالما أبويا هو اللي جابهولكم، وليه الجواب بيقول إن فيه خطر وعلاقة سرية تخفوها عن أصل العيلة؟ وليه خالد بالذات ما يعرفش؟!» حمايا كمل وهو بيمسح دموعه:
— «لأن العيلة اللي ماتت في الحادثة يا بنتي.. ما كانتش عيلة عادية. كانت عيلة كبيرة وناقذة في الصعيد، وكان بينهم وبين عائلات ثانية تار ودم قديم! وقتها، أبوكي وأنا خفنا لو السر اتعرف أو أهله العصب عرفوا بمكانه، يأخدوا الولد ويغرسوه في بحر الدم والتار، أو يتأذى بسببه! علشان كده دفنا السر، وقطعنا كل خيط يربط خالد بأصله الحقيقي وحميناه في بيتنا. وأبوكي الله يرحمه قبل ما يموت، وصاني وقالي: “يا عوض الله، لما تكبر هالة وتتجوز خالد، اكتب الأرض والبيت باسمها هي، عشان تكون دي الأمانة اللي بنرد بيها حقه ونحميهم هما الاثنين بملك حلال”.»
البيت سكت تماماً.. الحقيقة ظهرت بكل وضوح ونقاء. مفيش خيانة، ومفيش سر خبيث زي ما الجواب المسموم كان بيحاول يوهمني.. كان فيه حب، ورحمة، وأمانة اتصانت بين راجلين أوفياء للعهد لأكثر من ثلاثين سنة! قلت له وأنا ببكي من شدة التأثر: — «مين بقى الست اللي رمت الجواب يا عمي؟! مين اللي جاية تفتح الجروح دلوقتي؟!» قبل ما حمايا يرد، الباب الخارجي اتفتح ودخل خالد وهو راجع من شغله، وبص لنا واستغرب منظارنا والدموع اللي في عينا..
— «فيه إيه؟! مالكم قاعدين كده ليه؟ فيه مصيبة ثانية حصلت في البيت ولا إيه؟!» حمايا قام من مكانه وقرب من خالد، وحط إيده على كتفه بحنان وأبوة لم تتغير لحظة واحدة، وحكى له الحقيقة كلها من بدايتها لحد الجواب.. خالد وقف مذهول، عينيه بتتنقل بين أبوه وأمه وهالة.. الصدمة كانت كبيرة، بس لما شاف الدموع في عين حمايا وحماتي، وشاف الحب الكبير اللي اتربى فيه طول عمره، قرب من حمايا وحضنه بقوة وهو بيترعش ويقول:
— «أنت أبويا يا حاج.. أنت وأمي اللي ربتموني وعشتوا عمركم تحموني.. مش هيغير الحقيقة دي أي ورق ولا أي نسب في الدنيا!» في اللحظة دي، اتكشفت الست اللي رمت الجواب.. طلعت أخت سمر! كانت بتحاول بشتى الطرق تزرع الشك والخراب في البيت من جديد عشان تظن إنها بتهدم سعادتنا وتأخذ انتقام لأختها المرمية في السجن. بس خطتها الشيطانية انقلبت لعكسها تماماً.. السر اللي كانت فاكراه قنبلة جرس، كان السلسلة اللي جمعت القلوب ببعضها وأكدت لنا إن البيت ده مبني على الحب والأمانة.

