حماتي واكلي زهرة الربيع ٣

— «السر يا هالة مش عن الفلوس والأرض اللي كتبناهالك.. السر عنك أنتِ وعن خالد بالذات.. السر إن خالد جوزك.. ما كانش المفروض يكون من العيلة دي أصلاً، وأبوكي الله يرحمه.. هو السبب الحقيقي في القصة دي كلها!» اتسمرت مكاني والأرض بدأت تدور بيا. الكلام نزل على دماغي زي المطرقة، وبصيت لحمايا بعيون مبرقة ومش قادرة أستوعب الحروف اللي تخرج من فمه. خالد.. جوزي وسندي.. ماله بـ أبويا الله يرحمه؟ وإيه العلاقة السريّة اللي جمعت بين أبويا وعيلة حمايا من أكثر من ثلاثين سنة؟

حماتي كانت قاعدة على الأريكة بتبكي بصلة وصوت مكتوم، تغطي وشها بإيديها، وحمايا ينظر للأرض بكسرة حقيقية، كأن الجواب الخفي ده سحب من جسمه كل القوة والصلابة اللي كان يتظاهر بيها قدام الكل. قربت من حمايا وصوتي بيترعش من الخوف والذهول: — «أبويا؟! أبويا الله يرحمه ماله ومال خالد؟! افهم يا عمي أرجوك.. أنت بتقول إيه بالضبط؟!» حمايا حط إيده على ركبته وبدأ يتكلم بنبرة مليانة ألم وندم، بصوت هادي طالع من أعماق الماضي:

— «من ثلاثين سنة يا هالة.. أنا وأبوكي الله يرحمه كنا أصحاب عمر وأخوات ما ولدتمش أم واحدة. كنا شغالين مع بعض في التجارة والمقاولات هنا في القليوبية. وفي يوم من الأيام، حصلت حادثة سير بشعة على الطريق الزراعي، عربية أبوكي اتصدمت بنقل تقيل.. أبوكي نجا بفضل ربنا، بس العربية التانية كان فيها عيلة مسافرة، مات الأب والأم في اللحظة، وما نجلش من الحادثة دي غير طفل صغير عمره شهور..»

بلعت ريق بصعوبة وسألته: — «الطفل ده.. هو خالد؟!» حمايا هز رأسه بدموع وقال:

— «أيوه يا هالة.. خالد هو الطفل ده. أبوكي لما شاف الطفل ومأساة العيلة اللي انتهت في ثواني، جالي وهو بيبكي وبيتقطع من الذنب، وقال لي: “يا عوض الله، العيل ده ماليش أي ذنب في الموت اللي حله بعيلته، وأنا مش هسيبه يتربى في ملجأ ولا يتغلب في الدنيا”. أبوكي نسب الطفل ليا أنا وأم خالد، لأننا وقتها كنا متجوزين وبقالنا سنين ربنا ما رزقناش بعيال والأطباء قالوا إن أملنا ضعيف. أنا وأم خالد أخدنا الطفل، وكتبناه باسمي وربيناه كأنه ابننا البكر وسرنا المكتوم ما حدش يعرفه في الدنيا غيري أنا وأبوكي وأم خالد!»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *