صينية اكل روماني مكرم ٣

تراجعتُ وأنا أجر جسد شريف المتصلب خلف ظهر الشيخ عبد الحميد، الذي كان يرتجف للمرة الأولى. تلاشت هيبته تمامًا وهو يرى الظل الطويل الذي بدأ يترسّب من عتمة الممر الخارجي ويزحف على جدران الغرفة الطينية.
ظهر “هو”.
كان يرتدي نفس ملابس شريف، وبنفس تسريحة شعره، لكن ملامح وجهه كانت تتحرك بعشوائية تحت الجلد، كأن هناك مئات الحشرات تحاول الخروج من مسام وجهه لتشكيل الملامح النهائية. وفي يده.. كان يمسك بـ **صينية الحاتي الفويل**.. الصينية الكبيرة التي كانت سببًا في كل هذا الكابوس. كانت فارغة تمامًا، ومطوية من الأطراف بعنف، وينقط منها سائل أسود لزج يترك بقعًا محترقة على أرضية المقبرة ترسل رائحة كبريت خانقة.
نظر الكيان إليّ بعينين جاحظتين بلا نني، وقال بصوت شريف المدموج بفحيح الأفعى:
“منى.. رجعتوا للمكان اللي بدأت فيه الحكاية ليه؟ شريف تعبان.. سيبيه يرتاح معايا.. أنا وهو هنبقى واحد.”
الشيخ عبد الحميد صرخ فجأة بنبرة مرعوبة وهو يرفع يديه المرتعشتين ببعض الأحجبة والتمائم:
“انصرف! انصرف بحق العهد المكتوب! انصرف يا ميمون!”
لكن الكيان لم يهتز. بل التفت نحو الدجال ببطء، وابتسامته تتسع بشكل مرعب حتى كادت تقسم وجهه نصفين. وبحركة سريعة كبرق خاطف، امتدت يده الطويلة غير البشرية وقبضت على عنق الشيخ عبد الحميد، ورفعه في الهواء كأنه ريشة.
سمعت صوت تكسر عظام عنق الدجال قبل أن يلقي به الكيان جثة هامدة في زاوية الغرفة، لتسقط المجمرة وتتناثر النيران في كل مكان، وتبدأ النيران في التهام القش والحصير الجاف المفروش على الأرض.
“منى.. الصينية..” همس شريف بصوت كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهو يشير بيده التي تحولت بالكامل إلى اللون الرمادي الجاف نحو الصينية الفويل التي سقطت من يد الكيان عندما هاجم الدجال.
الخوف شلّ حركتي لثوانٍ، لكن منظر شريف وهو يتلاشى أمامي منحني قوة انتحارية. انحنيت بسرعة تحت الدخان الكثيف المتصاعد من الحريق، وزحفت نحو الصينية الفويل.
التفت الكيان إليّ بسرعة مرعبة، وأطلق صرخة هزت أركان المقبرة، واندفع نحوي. وفي نفس اللحظة، نجحت يدي في الإمساك بطرف الصينية الفويل الحارق. شعرت بجلد كفي يغلي، لكنني لم أفلتها. سحبتها بقوة وجريت نحو شريف، ممسكةً بولاعة الشيخ عبد الحميد التي سقطت من جيبه بجانب النار المشتعلة.
