صينية اكل روماني مكرم ٣

في عتمة المقبرة الضيقة الباردة، كان النقر على الباب الحديدي مستمرًا بانتظام مرعب، كعقارب ساعة تدق لتعلن نهاية أعمارنا. صوت مدام كريمة المصطنع، المغلف بنبرة تجمع بين العتاب الغريب والترهيب، كان يتسلل من شقوق الباب الحديدي ليلتصق بجدران المكان:
“افتحي يا منى.. شريف تعبان وجعان.. وإنتي عارفة إنه بيحب أكلي.. افتحي يا بنتي.”
كنت أضم شريف إليّ، وجسده يرتعش بعنف رغم أن اللون الرمادي بدأ يبهت عن جلده ببطء بعد حرق الصينية، إلا أن قواه كانت خائرة تمامًا. همس بصوت متقطع وعيناه مغمضتان:
“منى.. ما تسمعيش.. دي مش أمي.. أمي خلاص.. راحت.”
دموعه انزلقت على وجنته الشاحبة، وكان عليّ أن أكون قوية لأجلنا نحن الاثنين. لقد قطعت الخيط الذي يربط الكيان بجسد شريف، لكنني لم أغلق البوابة التي استدعي منها. الكيان الآن حر، يتشكل بأي صوت وصورة من ضحاياه ليوقع بنا.
نظرت حولي في عتمة المقبرة مستعينة بضوء شاشة هاتفي الضعيف الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة وبطاريته تقترب من النفاد تمامًا. كانت المقبرة قديمة جداً، جدرانها مبنية من الحجر الجيري، وفي قعرها توجد فتحة تهوية صغيرة مرتفعة بالكاد تسمح بمرور الضوء، وتحتها مباشرة تابوت حجري قديم مغطى بالتراب.
فجأة، تحول النقر الهادئ على الباب إلى ضربات وحشية عنيفة. الباب الحديدي الثقيل بدأ يتقعر للداخل تحت وطأة الضربات، والقفص المعدني الذي يمسكه من الداخل بدأ يصدر صوت صرير حاد كأنه على وشك الانفطار.
صرخ الكيان من الخارج، ولم يعد الصوت صوت مدام كريمة، بل مزيجًا من الأصوات كلها؛ صوت شريف، صوت الدجال الميت، وصوت حماتي، يصرخون جميعًا في كورال جماعي مرعب:
“افتحي! العمل مات بس أنا حي! مش هترجعوا للدنيا تاني.. الأرض دي حقتي أنا!”
“شريف.. اسمعني.. لازم تقف معايا.. لازم نطلع من فتحة التهوية دي!” صرخت بدموع محبوسة وأنا أحاول رفعه.
سندت جسده بكل ما أوتيت من عزم، وساعدته ليرتقي فوق التابوت الحجري. كان يتنفس بجهد كبير، لكن غريزة البقاء بدأت تعيد الحياة لأطرافه. سحب جسده ببطء نحو الفتحة المرتفعة، وبدأ يحرك الحجارة المتهالكة حولها لتوسيعها.
وفي تلك اللحظة.. انكسر قفل الباب الحديدي بالكامل.