تذكرة قطر ٣

مريم لم تفزع.. لم تصرخ.. ولم تظهر على وجهها أي علامة من علامات المفاجأة أو الغضب. كان في عينيها شيء واحد فقط.. “المـ,ـوت التام”. نظر إليها كأنها تنظر إلى قطعة خشبة ملقاة على الأرض، أو مجرد غبار لا قيمة له ولا أثر. طارق حاول أن ينطق، شفتاه الملتصقتان فتحتا بصعوبة: — “مـ.. مريم..” مريم لم ترد عليه. لم تنطق اسمه حتى. التفتت بهدوء إلى رجل الحراسة الواقف بجوارها وقالت بصوت خفيض ونبرة رسمية لا تحمل أي انفعال: — “يا إبراهيم.. بلّغ إدارة الفندق إن عمال الشحن بيحتكوا بالضيوف والأطفال. خليهم ينقلوا حاجتهم من الباب الخلفي فورا، ونهوا التعامل مع الشركة دي.
” — “تحت أمرك يا هانم.” قال الحارس بصرامة. مسكت مريم يد ابنها يوسف بثبات، وانحنت له وقبلت رأسه وقالت بابتسامة دافئة: — “يلا يا حبيب مامي، الناس منتظرانا عشان نقطع التورتة.” التفتت مريم ومشت بخطوات ثقيلة وواثقة نحو الأضواء والمنصة، دون أن تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة. لم تعطِ طارق حتى شرف أن تغضب منه أو تعاتبه! أما طارق، فقد جاء أفراد أمن الفندق ومسكوه من كفيه بعنف، وسحبوه مسافة طويلة عبر الممرات السفلية وسط نظرات الاحتقار من الجميع، ليرموه خارج البوابة الخلفية للفندق على رصيف الشارع المتسخ.
سقط طارق على وجهه في التراب.. سمع صوت الموسيقى والتصفيق ينبعث من الصالات الفخمة بالداخل، بينما المطر الخفيف بدأ يهطل على رأسه وجسده المنهك. مسك التراب بيديه، وغطى وجهه وهو يصرخ ويبكي بانهيار لم يذقه في حياته. في تلك اللحظة بالذات، فهم طارق الحقيقة الكبرى: إن العقاب الحقيقي لم يكن حليق الرأس في السجن ولا سلب أملاكه.. العقاب الحقيقي هو أن تعيش حياً وأنت مت بالكامل في عين الشخص الذي كان يوماً يمنحك كل شيء بدون مقابل!

