تذكرة قطر ٣

مرت أسابيع على ذلك اليوم الذي انقلبت فيه حياة طارق رأساً على عقب. أصبحت أزقة القاهرة وشوارعها الضيقة تسحبه وتلف به في دوامة لا ترحم. انتقل للعيش في غرفة صغيرة بالإيجار في إحدى المناطق العشوائية بأطراف العاصمة، غرفة بسقف متهالك وناقذة تطل على حارة ضيقة، لا تذكره إلا بعجزه وحجم السقوط المريع الذي وصل إليه. كان يصحو كل يوم على صوت صرير السيارات في الشارع، ينظر في يديه اللتين لم تعرفا العناء يوماً عندما كان يتنعم بمال مريم وفيلا التجمع الفارهة.
شغل باله طوال هذه الفترة بالبحث عن عمل، لكن الواقع كان أشد قسوة مما يتخيل. بمجرد أن يقدم أوراقه في أي شركة أو مكتب، كان يصله الرفض الفوري؛ فنفوذ عائلة مريم القانوني والاستثماري وشبكة علاقات والدها الجارفة كانت قد وضعت اسمه في القوائم السوداء في سوق العمل بأكمله، ليصبح رجلاً “غير مرغوب في التعامل معه” في أي مؤسسة محترمة. حتى أخته فاطمة، التي كانت تحرضه وتتطاول معه على مريم، تركه الجميع في مواجهة مصيره. أغلقت بابها في وجهه، وعادت لتعيش في خوف وانعزال تفتش عن أي قشة تنجيها بعدما تبرأ الجميع منهما.
وفي صباح يوم شديد البرودة من شهر فبراير، وفي أحد المستشفيات الخاصة الفخمة بمنطقة المعادي، كانت مريم تتمدد على سرير مريح في جناح ملكي محاط بالورود البيضاء والهدوء التام. لم تكن هناك أدنى رائحة للشقاء الذي مرت به في تلك الليلة المشؤومة بالقطار. كان والدها يقف بجوار النافذة، يحتـ,ـضن بين يديه كوباً من القهوة الدافئة، بينما المحامي طاهر يقف عند الباب ومعه بعض الأوراق الخاصة بنقل ملكيات جديدة ومحافظ استثمارية أضيفت باسم المولود الجديد. صوت بكاء خفيف وناعم أترع الغرفة دفئاً.
. ولدت مريم طفلها الأول، صبياً جميلاً، أطلقت عليه اسم “يوسف”. نظرت مريم إلى طفلها الصغير المحضون بين ذراعيها، وقبلت جبهته الناعمة. لم يكن في عينيها قطرة واحدة من الحزن أو الندم على الماضي، بل كانت نبرة الرضا والثبات هي كل ما يكسو ملامحها. قال والدها وهو يقترب منها ويقبل رأسها حانياً: — “حمد الله على سلامتك يا مريم.. يوسف نوّر الدنيا يا حبيب باباه.
كل حاجة ترتبت زي ما خططنا بالضبط.” ابتسمت مريم بسبحات هادئة وقالت: — “الله يسلمك يا بابا.. أنا مش متخيلة إني كنت همر باللحظة دي وأنا على ذمة إنسان كان ممكن يرمي ابنه ونفسه عشان شوية مظاهر فارغة.” في تلك الأثناء، أخرج الأستاذ طاهر هاتفه وقدمه لمريم: — ” مدام مريم، طارق بقاله أسبوع محاصر بواب العمارة القديمة ومكتب السكرتارية، وبيحاول بكل الطرق الممكنة يوصل لخير عن ولادتك. للأسف الموقف القانوني حاسمه تماماً، لكنه حاول يبعت الرسالة الصوتية دي عن طريق واحد من أصحابه القدامى اللي اتوسطوا له.
