تذكرة قطر ٣

مرت الأيام والشهور، ودخل الصيف ثم جاء الخريف. عادت مريم لممارسة نشاطها الاستثماري من جديد، ولكن هذه المرة بقلب أكثر قوة وعقل أكثر صلابة. أنشأت مؤسسة جديدة لتطوير حلول البرمجيات والأمن السيبراني، وأطلقت عليها اسم “يوسف تكنولوجي”. أصبحت إحدى سيدات الأعمال البارزات في مصر، وتصدرت صورها المجلات الاقتصادية كنموذج للمرأة الناجحة القوية التي تبني إمبراطوريتها بعرقها وذكائها.

في المقابل، كان طارق قد وصل إلى القاع. عمل في أحد المستودعات الصغيرة لنقل البضائع وتفريغ الصناديق في منطقة نائية، يتقاضى أجراً يوفر له لقيمات يسد بها رمقه. في كل مرة كان يحمل فيها صندوقاً ثقيلاً على ظهره ويشعر بالوجع يمزق فقراته، كان يتذكر موقف مريم في ذلك القطر.. يتذكر كيف كانت تتألم وهي تحمل طفله في أحشائها وتتنقل من رجل إلى رجل وهو يضحك مع أخته. كان القصاص الإلهي يتمهل، لكنه يدور بدقة متناهية ليذوق طارق نفس الكأس، ويدفع ثمن كل لحظة استعلاء واستقواء على زوجته السابقة.

كان القصاص الإلهي يتمهل، لكنه يدور بدقة متناهية ليذوق طارق نفس الكأس، ويدفع ثمن كل لحظة استعلاء واستقواء على زوجته السابقة. وفي مساء أحد أيام شهر ديسمبر، وفي احتفالية ضخمة أقيمت بأحد أكبر الفنادق على النيل بمناسبة تأسيس الشركة الجديدة، كانت مريم تقف بلباس أسود أنيق، ممسكة بطفلها يوسف الذي بلغ من العمر عدة أشهر، وحولها كبار رجال الدولة والاستثمار ورجال الأعمال. وقف والدها بجوارها والتقط الميكروفون ليقول أمام الحضور: — “النهاردا أنا مش بس فخور بـ مريم كنجمة في عالم الاستثمار..

أنا فخور بيها لأنها أثبتت إن الست القوية هي اللي تعرف تختار صح، وتعرف تحمي بيتها وابنها، وتعرف ترمي ورا ظهرها أي حد يظن إن طيبتها أو سكوتها نقطة ضعف!” صفق الجميع بحرارة، وابتسمت مريم بوقار، ثم رفعت نظرتها نحو أضواء النيل الهادئة، وتذكرت الليلة التي نزلت فيها من القطر في محطة أسيوط، وكيف كان ذلك القرار الشجاع الصامت هو بداية لحياة جديدة ومختلفة تماماً. أما على رصيف إحدى محطات القطارات الشعبية بضواحي الجيزة.. كان طارق يجلس على صندوق خشبي، يرتدي ملابس العمل المتسخة، ويحمل في يده جريدة قديمة ملقاة على الأرض.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *