تذكرة قطر ٣

” نظرت مريم للهاتف ثوانٍ معدودة، ثم هزت رأسها بالرفض دون أن تمسكه: — “مسح الرسالة يا أستاذ طاهر. أنا مش محتاجة أسمع صوته، ولا محتاجة أعرف هو بيحس بإيه. طارق بالنسبة لي مرحلة وانتهت من يوم ما نزلت على رصيف محطة أسيوط. اللي يتخلى عن كرامة مراته وهي شايلة ابنه في بطنها، مالوش وجود في حاضرنا ولا مستقبلا.” أومأ الأستاذ طاهر باحترام ومسح التسجيل فوراً: — “تمام يا فندم.

أحب أبلغ حضرتك إن إجراءات تغيير الأوراق الرسمية ليوسف تمت بالكامل، وهو حالياً مسجل كحفيد رسمي لعائلة الألفي، وجميع أملاكه وأصوله المستقلة تم وضعها في صندوق استثماري مغلق لا يحق لأي طرف غريب مساسه حتى يبلغ السن القانوني.” في هذه الأثناء، كان طارق يقف على بعد أمتار من البوابة الخارجية للمستشفى. كان يرتدي معطفاً متهالكاً، ووجهه الذابل تحيط به لحية مهملة. كان يحاول الدخول أو معرفة أي خبر عن زوجته السابقة وما إذا كانت قد وضعت مولودها أم لا.

لكن رجال الأمن الخاص المكلفين بحراسة المستشفى يمنعونه بصرامة. — “يا أستاذ اخرج برة! إحنا عندنا أوامر مشددة بمنعك من دخول المبنى أو الاقتراب من السور حتى. لو ما مشيتش حالاً هنبلغ نجدة المعادي.” صرخ طارق بقلة حيلة وصوته يتهدج بالدموع: — “أنا أبوه! يا ناس افهموا أنا عايز أشوف ابني بس! عايز أطمن على مريم! أنا غلطت وعارف إني غلطت بس حرام حرماني منه كده!” خرج الأستاذ طاهر في تلك اللحظة من البوابة الرئيسية متجهاً لسيارته.

وعندما رأى طارق يتعارك مع الحراس، أشار للحراس بالابتعاد قليلاً ووقف أمامه بجمود. تقدم طارق خطوة ونزل على ركبتيه تقريباً أمام المحامي: — “أستاذ طاهر! أرجوك.. بوس إيدك خلي مريم تخليني أشوف الولد بس دقيقة واحدة! مش عايز منها فلوس، مش عايز أرجع الفيلا، ومش عايز أي حاجة من أملاكها! أنا بس عايز ألمس ابني وأقوله إني آسف!” نظر إليه الأستاذ طاهر بنظرة سردت كل معاني الحسرة والازدراء، ثم قال بصوت خفيض وواضح: — “الآسف دي بتقولها لما تدوس على جزمة حد في الشارع غصب عنك يا طارق.

. مش لما تسيب شـ,ـرفك ومراتك الحامل بتمـ,ـوت من التعب والوقوف في القطر عشان توفر تذكرة VIP لأختك وتقعد تتريق عليها وتطلب عصاير وفرش!” ثم استطرد المحامي وهو يفتح باب سيارته: — “مريم ولدت النهاردا، ويوسف نزل الدنيا في مكان نظيف ومحترم، بين ناس يصونوه ويحموه.. والأهم من ده كله، إنه هيتربى بعيد عن النموذج اللي كنت هتورثه له. طارق.. النعمة لما بتيجي للإنسان وهو مش مقدرها، بتروح منه وما بترجعش تاني أبداً.” تحركت سيارة المحامي ورجال الحراسة خلفها، وتركوا طارق واقفاً في منتصف الشارع، يكسره البرد وتجلده الحسرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *