تذكرة قطر ٣

فتح الصفحة الاقتصادية بالصدفة، لتقع عيناه على صورة مريم العريضة وهي تتوسط الاحتفال ومعها طفلها الصغير. انهمرت الدموع من عينيه بكثافة حارقة، ومسح بأصابعه الملوثة صورة ابنه وزوجته السابقة، وهو يعلم في أعماق قلبه أنه لن يستطيع قط مساس هذا العالم الذي فرط فيه بغبائه وقسوته. قام من مكانه ببطء، وجر قدميه بين أزقة المحطة، بينما كان صوت صفارة القطر القادم من بعيد يدوي في أذنيه كأنه يذكره في كل لحظة بأنه هو من أضاع حياته بيده. مرت أربعة أعوام كاملة على تلك الليلة التي انزلقت فيها قدم طارق نحو الهاوية في محطة أسيوط.

أربعة أعوام لم تكن مجرد أيام تقويم تُطوى، بل كانت دهراً من الانكسار والتدحرج المتواصل في قاع المجتمع. كان طارق قد تحول إلى مجرد ظلال لرجل كان يظن أنه ملك العالم. عاش في ملحق سكني صغير فوق سطح أحد المباني القديمة بحدائق القبة، بعد أن اضطر للعمل كشال بضائع وسائق بديل في إحدى شركات الشحن الداخلية الصغيرة. أكل التعب من ملامحه، وخط الشيب شعره مبكراً وهو لما يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره.

كل صباح، كان يستيقظ على صرير أحبال الغسيل وصوت المذياع من البيوت المجاورة، لينظر إلى يديه الخشنتين ويتساءل كيف ينتهي الحال برجل كان يرتدي أفخم البدلات ويعيش في فيلا بمليارات، ليصبح مطارداً بديون لا تنتهي ومصاريف علاج لأخته فاطمة التي أصابها مرض مناعي أعدم بقايا صحتها، وجعلها قعيدة البيت لا تملك حتى قيمة الدواء. على الجانب الآخر من القاهرة، في حي التجمع الخامس، كانت الحياة تسير بإيقاع آخر تماماً.

. إيقاع النجاح والثبات والعظمة. تضخمت مجموعة “يوسف القابضة” التي أسستها مريم، وأصبحت واحدة من أكبر الكيانات التكنولوجية في الشرق الأوسط. لم تعد مريم مجرد سيدة أعمال، بل أصبحت رمزاً ملهماً يُشار إليه بالبنان في كافة المؤتمرات الاقتصادية. أما ابنها يوسف، فقد بلغ من العمر أربع سنوات؛ طفل ذكي، ناصع البياض، يملك نفس النظرة الهادئة والعميقة التي تملكها أمه، ويتلقى أرقى التعليم في إحدى المدارس الدولية المرموقة.

دخل طارق بجسمه المنحني، وهو يلهث وتحت إبطيه الصندوق الثقيل. وما إن خطت قدمه داخل الصالة الفخمة ذات الثريات البلورية والأرضيات الرخامية اللامعة، حتى يتسمر في مكانه كمن ضـ,ـربته صاعقة. في منتصف القاعة، وعلى منصة رئيسية تزينها الشاشات التفاعلية وشعار شركة “يوسف القابضة”، كانت تقف مريم. كانت ترتدي بذلة رسمية باللون الأبيض العاجي، تتزين بعقد ماسي بسيط، وتبدو كملكة غير متوجة. بجوارها كان يقف والدها بنفس الهيبة والوقار، وأمامها طفلها الصغير يوسف، يرتدي بدلة صغيرة ورابطة عنق أنيقة، يضحك وهو يمسك بإصبع أمه. طارق شعر ببرودة تجري في عروقه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *