خلفت ٧ مرات زهرة الربيع ٣
نظرت أمي إلى الورقة، ثم رفعت عينيها إليّ، وتبدلت ملامح وجهها في لحظة واحدة! اختفت نبرة الحنان الأمومي المقلد، ومسحت الملامح المكسورة، ليحل محلها وجه آخر بارد، حاد، وثاقب كشفرة المشرط!
ساد صمت مرعب في الصالة لدقيقة كاملة، لم نسمع فيها سوى صوت دقات الساعة الحائطية القديمة. ثم أرجعت أمي ظهرها إلى الخلف، وشبكت أصابعها فوق ركبتيها، وقالت بنبرة خالية تماماً من الرعشة أو الارتباك، صوت غريب لم أسمعه منها طوال حياتي:
“عرفتِ إزاي؟ الملف كان مقفول عند حسن وتوفيق.. مين اللي أدالك الملحق ب؟”
سقطت كلماتها كالسكين في أحشائي، لكنني لم أهتز. أخرجت صوتاً جافاً خشناً ينبع من قاع جهنم في صدري:
“قتلتِ سبعة من ولادي؟ سبعة من أحفادك يا أمي؟ حتة من كبدك وكبدي؟ عشان الفلوس والأصول المهرّبة؟ إزاي قدرتِ تبصي في عيني وتطبطبي عليّ وأنتِ عارفة إن الزيت المسموم اللي حسّن بيقتلم بيه، خارج بطلب وموافقة منك؟”
وقفت أمي ببطء شديد، ورغم كبر سنها، كان جسدها ينضح بالقوة والسيطرة. ضحكت ضحكة قصيرة، خبيثة، يملؤها الجفاف والازدراء، وقالت وهي تخطو نحوي بثبات:
“أحفادي؟ أبوكي مات وسابلي جبال من الديون والعار! عمك توفيق وحسن وأبوه كانوا هيضيعوا كل حاجة في صفقات خسرانة. الأوقاف والتركة اللي اتسجلت باسم العيلة في الخارج كانت الحل الوحيد عشان البيت ده يفضل واقف وعشان نعيش مستورين فوق رأس الكل! أنتِ فاكرة إن العيشة والفلوس والتعليم والراحة اللي عشتِ فيها كانت جاية من الهوا؟ التركة دي كانت مشروطة بدم، وبنود الاتفاق اتكتبت من قبل ما تتولدي حتى!”
خطت خطوة أخرى، وعيناها تتسعان ببريق شيطاني:
“أنا اللي حطيت خطة الملحق (ب). كنت عارفة إن حسن وتوفيق طماعين وشياطين، وكان لازم أؤمن نفسي وأضمن إن الملايين كلها ترجع لي أنا في الآخر لو هما اتكشفوا أو اتخانقوا. أنتِ كنتِ مجرد جسر يا سمر.. جسر طاهر ونظيف ومحدش يشك فيه، تجبيلي الصغار عشان نأمن التركة ونقفل الملفات الفيدرالية رسمياً!”
“كنت مجرد جسر؟” صرخت بها وأنا أتقدم نحوها والغضب يعمي بصري. “ولادي كانوا مجرد ثمن لتأمين حسابتك في البنوك؟ أنتِ مش أم.. أنتِ أفعى، وحش، ومحدش في الدنيا دي يستحق الموت زيك!”
