خلفت ٧ مرات زهرة الربيع ٣
طلبتُ منهم بصوت حشرج فيه الرجاء أن أذهب إلى المقابر. لم أكن أستطيع البقاء في هذا المكتب المكيف ذي الأوراق البيضاء بينما أطفالي السبعة يُخرجون من أسرّتهم الترابية في ظلام الليل. رفض الضابط في البداية خوفاً على قواي العقلية والنفسية، لكن أمام إصراري ونظرة الترجي الميتة في عيني، وافق وأمر بتسيير سيارة حراسة خاصة لتقودني إلى هناك.
تركت مبنى النيابة والسيارة تقطع شوارع المدينة المظلمة نحو المقابر. كانت الرياح الباردة تضرب زجاج السيارة، والسماء تبدو ثقيلة، حبلى بالمطر والغيوم.
عندما وصلت السيارة إلى أطراف المقابر، كانت الأضواء الكاشفة الضخمة تملأ المكان بضوء أبيض باهر، وصوت المولدات الكهربائية يزأر في السكون القاتل. رأيت العشرات من رجال الشرطة ورجال الطب الشرعي يرتدون الملابس البيضاء العازلة، يقفون حول ذلك الخندق المتسلسل الذي يحوي جثامين أولادي السبعة.
نزلت من السيارة وبدأت أمشي ببطء نحو القبور المفتوحة. كان التراب يثار في الهواء، وصوت الحفر يتردد كأنه طعنات في صدري. وقفت عند حافة القبر الأول، حيث كان الأطباء يرفعون ببطء رفات صبي صغير ملفوف بخرق بالية.
لم أصرخ، ولم أبكِ. جفت الدموع في عيني تماماً، وحل محلها خشب قسوة لا ينتهي. كنت أنظر إلى الصغار يخرجون واحداً تلو الآخر من ظلمة الأرض إلى ضوء العدالة الباهر. سبعة أجساد صغيرة طاهرة، ظلمتها القسوة البشرية وأشبعتها الخديعة من أقرب الناس.
سار إليّ رئيس فريق الطب الشرعي وهو يحمل في يده ختامه الأولي، وقال وهو يتأمل الوثائق في يده:
“التحليل المبدئي للأنسجة والمستخلصات المتبقية في العظام يؤكد وجود رواسب كيمائية حيوية ثابتة لا تتفكك مع الزمن لمستخلص الدفلى المركّز. التقرير مكتمل كلياً يا مدام.. القضية أصبحت أسرع وأوضح قضية قتل عمد متسلسل في تاريخ القضاء.”
وقفت هناك في منتصف المقابر، بين أطفالي السبعة الممتدين تحت الأضواء الكاشفة، وأنا أعلم أن هذا الجزء من الكابوس قد انتهى بتعرية المجرمين وسقوط الأقنعة الزائفة. لكن القصة لم تكتمل بعد… كانت هناك وثيقة أخيرة خفية، ملتصقة بالبطانة الداخلية للملف الأسود، وثيقة لم ينتبه لها الضباط ولا النيابة… وثيقة تحمل اسماً ثامناً وتاريخاً قادماً لم يأتِ بعد!
