خلفت ٧ مرات زهرة الربيع ٣
تدفقت في ذهني في تلك اللحظة خاطرة مرعبة كالسيول المجنونة. عبرت أمامي صور كل من حولتُ وجهي إليهم في سنوات قهري السبع: أمي التي كانت تبكي معي وتبخر الشقة برائحة العود، أختي الكبرى التي كانت تحضر لي العصائر والوجبات الدافئة عقب كل جنازة لتقويني، وعمي الذي كان يتولى إجراءات الدفن والتغسيل بنفسه في كل مرة ليريحنا من مشقة الإجراءات الرسمية!
امتدت يد الضابط برفق لتساعدني على الوقوف، بينما كان صوت أجهزة اللاسلكي يتعالى على السلم بطلبات إرسال وتعليمات مشددة بتطويق منطقة المقابر ومنع أي شخص من الاقتراب منها. انسحبت من بين أيديهم بخطوات غير موزونة، يسندني الحائط القديم للبيت، والدموع تحرق وجهي بغزارة لم أعهدها من قبل.
أدخلوني سيارة سوداء زجاجها داكن كانت تنتظر أسفل العمارة، وفي الشارع كان الزقاق هادئاً، خائناً، كعادته، لا يدري أهله أن كابوساً من أبشع كوابيس البشرية كان يُحاك في الطابق الثالث لسبع سنوات متواصلة. جلس الضابط إلى جواري في المقعد الخلفي، وأخرج ملفاً أصفر اللون من حقيبته، يقلب أوراقه تحت ضوء سقف السيارة الخافت.
نظر إليّ بأسى صادق وقال بصوت هادئ يحاول التخفيف من حدة الفاجعة:
“أنا عارف إن حمولتك زادت عن طاقة البشر يا مدام سمر.. بس العدالة المرة دي لازم تكتمل. الشخص اللي كان بيوفر المادة السمية دي لحسن مش مجرد وسيط، ده مهندس زراعي وخبير مستخلصات نباتية، وهو الوحيد اللي كان بيقدر يركّز مستخلص نبات الدفلى بطريقة زيتيّة ناعمة تسرع امتصاصه عن طريق الجلد والشفاه من غير ما تترك أثر ملموس أو يتغير طعم الأكل والشرب بشكل يثير الشبهة.”
تسمرت عيناي على الصفحة التي يقلبها. لم أجرؤ على السؤال، لكن لساني خانني وتنفس بصوت مخنوق:
“مين؟.. قول لي مين من عيلتي كان بيشارك في ذبح ولادي؟”
أدار الضابط الصفحة الأخيرة، وظهرت أمام عيني صورة شمسية ملونة لعمي! عمي “توفيق”، الأخ الوحيد لأبي المتوفى، الرجل الذي كان يستقبلني في كل مرة بالدموع، يربد على كتفي، ويحمل أطفالي الرضع إلى المقابر بيده، ويدعو الله أمام الجميع أن يعوضنا خيراً!
سقطت رأسي بين كفيّ وانطلقت مني صرخة مجهدة، صرخة ممزقة حطمت صمت السيارة. كان عمي يعمل بالفعل مستشاراً في إحدى الشركات الزراعية الكبرى، وكان يتنقل بين مصر ودول عربية وأوروبية بحكم عمله!

