رجعت من السفر زهرة الربيع ٢
الحزء الثاني:
وقفت في نص الصالة وجسمي كله بيتنفض من الغل، عيني كانت بتدور على “عمر”، بس الصدمة لجمتني لما شفت الراجل اللي كان قاعد على الكنبة، حاطط رجل على رجل، وقدامه ملفات وأوراق كتير مفرودة على التربيزة. الراجل ده مكنش غريب عليا، ده كان الأستاذ “رفعت”.. المحامي الشهير، وصديق والدي الله يرحمه، والراجل اللي كنت دايماً برجعله في أي مشكلة قانونية تخص شركتي!
بصيت له بذهول وقولت بنبرة متقطعة: “أستاذ رفعت؟! إنت بتعمل إيه هنا؟ إزاي تكون قاعد في بيت حماتي، ومع مين؟!”
رفع نظارته الطبية وبصلي بنظرة هادية ومليانة أسف، وقال بصوته الرخيم: “اقعد يا سليم.. اهدأ واستهدى بالله. أنا هنا بصفتي الوكيل القانوني لنادين ولطليقتك السابقة، وبصفتي كمان الراجل اللي شهد على قسوتك في طلاقها من سنتين”.
حسيت كأن السكاكين رجعت تقطع في صدري تاني. حتى المحامي اللي كنت بظنه سندي في الدنيا، واقف معاهم! زعقت بعصبية: “قانوني إيه وزفت إيه! أنا عايز ابني.. أنا جاي أخد عمر، ومحدش فيكم هيمنعني!”.
في اللحظة دي، خرجت حماتي السابقة من الأوضة، وكانت ماسكة في إيدها “عمر”. الولد أول ما شافني، مَجرِيش عليا زي ما كنت متخيل.. بالعكس، استخبى ورا ضهر جدته وبصلي بخوف وجليد مكنتش متعود عليه. اللقطة دي كَسرت حتة جوة قلبي، بس كبريائي وعندي عموني.
قربت عشان أشده، بس الأستاذ رفعت وقف في النص وقال بحزم: “لو مديت إيدك على الولد يا سليم، هطلبلك النجدة حالاً وأعملك محضر تعدي. اقعد واسمع القانون بيقول إيه عشان تعرف إنت واقف فين”.
قعدت على الكرسي وأنا بنهج، الغضب كان عاميني، وقولت: “القانون معايا! نادين هتتجوز، والحضانة بتسقط عنها بمجرد الجواز من راجل غريب، وأنا الأب والوصي الشرعي!”.
ابتسم الأستاذ رفعت بسخرية هادية، وسحب ورقة من الملفات اللي قدامه وقالي: “ده لو إنت عايش هنا وبتراعي ابنك يا سليم. لكن إنت مسافر بقالك سنتين، مابتسألش عن ابنك غير برنة تليفون كل كام شهر، ومابتبعتش قرش واحد مصاريف، ونادين هي اللي شايلة شيلته بالكامل بمساعدة طارق.. ده أولاً. ثانياً، القانون بيقول إن بعد الأم، الحضانة بتروح لأم الأم (حماتك)، وهي قاعدة قدامك بكامل صحتها وأهليتها، ورافعة عليك قض..ية نفقة متعة وعدة ونفقة صغير بقالها سنة، وإنت مابتستلمش الإعلانات لإنك هربان برة مصر!”.
الكلام نزل عليا زي المية الساقعة. بصيت لحماتي وقولت: “إنتي يا طنط؟ إنتي ترفعي عليا قضايا وتديني ضهرك؟ ده أنا كنت بحترمك زي أمي!”.
ردت عليا بنبرة كلها مرار: “بنتي كانت بتموت قدام عينيا بسبب برودك وقسوتك يا سليم وكنت بسكت عشان مركبها تمشي، ولما رميتها وسافرت، مأفكرتش الولد ده هياكل منين ولا هيعيش إزاي. طارق هو اللي حماها ووفرلها الأمان، وشغلها في المحل هو اللي خلاها تقف على رجليها. أنا مش هسيب ابن بنتي يتربى مع راجل ميعرفش غير غريزة التملك”.
قمت وقفت وأنا بصرخ: “كلكم خططتوا لده! طارق ونادين وإنتي والمحامي! دي مؤامرة عشان تاخدوا مني ابني وتكسروني!”.
الأستاذ رفعت لم الأوراق وحطها في شنطته، وقام وقف وبصلي بحدة: “محدش تآمر عليك.. إنت اللي دمرت كل حاجة بإيدك وسيبت مكانك فاضي، وطبيعي لما تسيب مكانك فاضي، يجي راجل تاني يملاه. نادين وطارق هيكتبوا كتابهم الأسبوع الجاي، وإحنا مجهزين كل الأوراق عشان الحضانة تتنقل للجدة رسمي وبحكم محكمة، والولد هيفضل معاهم في نفس البيت.. لو عايز تشوف ابنك، هيبقى بالرؤية القانونية في نادي اجتماعي ساعتين في الأسبوع.. ده لو المحكمة وافقت بعد ما نثبت إهمالك”.
سيبتهم وخرجت وأنا مش قادر أصلب طولي. نزلت الشارع والدنيا بتلف بيا. صاحبي وعمري.. ومراتي.. ومحامي عيلتي.. كلهم بقوا في جبهة واحدة ضدي، وأنا واقف لوحدي في مهب الريح.
رجعت على شقتي القديمة، الشقة اللي شهدت على أيامي مع نادين. دخلت وقفلت الباب، المكان كان ضلمة ومترب، ملوش الروح المبهجة اللي كانت نادين بتعملها. قعدت على الأرض في الصالة، وحطيت راسي بين إيديا. الأفكار كانت بتنهش في دماغي.. هل طارق كان بيحب نادين من زمان وأنا مش حاسس؟ هل نادين كانت بتخونني معاه بالوفاء والدعم وهو ده اللي خلاها ترفض ترجعلي؟
النار كانت بتاكل في صدري، ومستحيل كنت هقبل الهزيمة دي. قمت وفتحت النور، ودخلت مكتب الصغير، وطلعت تليفوني. كلمت واحد من معارفي القدامى في “مباحث الأموال العامة”، وقولتله بصوت مخنوق ومليان شر: “أيوة يا رامي.. أنا سليم. كنت عايزك في خدمة العمر.. عايز معلومات كاملة عن محل الورد بتاع نادين، وعن شغل طارق الجديد.. المحل ده اتفتح بفلوس منين؟ وطارق جاب السيولة دي منين؟ أنا متأكد إن فيه حاجة غلط، وعايز جناية تقلب الترابيزة على الكل!”.
قعدت أستنى على نار، والوقت كان بيمر كأنه سنين. بعد يومين بالظبط، رن تليفوني.. كان رامي.
فتحت السكة بلهفة: “ها يا رامي؟ طمني، لقيت حاجة؟”.
صوت رامي كان غريب وفي نبرة صدمة وقالي: “سليم.. إنت متأكد إنك عايز تفتح السيرة دي؟ الموضوع مش زي ما إنت فاكر خالص.. المحل ده مش باسم نادين ولا باسم طارق.. المحل ده اتفتح بتمويل من جهة إنت تعرفها كويس جداً، والصدمة الكبيرة إن طارق مش مجرد شريك، طارق بيشتغل لحساب شخص إنت مستحيل تتخيله، والشخص ده هو اللي مرتب اللعبة دي كلها من قبل ما تسافر بسنة!”.
الحزء الثالث:
مسكت التليفون وإيدي بتترعش، وصوت رامي كان طالع من السماعة كأنه جايل من سرداب ضلمة. زعقت فيه بصوت مبحوح: “انطق يا رامي! مين الشخص ده؟ ومين اللي ممول المحل ومحرك طارق من ورا ضهري؟”.
رامي أخد نفس طويل وقال الكلمة اللي وقعت على ودني كأنها قنبلة: “شريف يا سليم… شريف شريكك وابن عمتك!”.
الدنيا لفت بيا لدرجة إني سِندت راسي على الحيطة المحيطة بيا وأنا مش مصدق. شريف؟ شريف اللي كبرت معاه، وشريكي بالنص في شركة المقاولات والتوريدات اللي بنيناها عصب بحت طوب بطوب؟ شريف اللي لما طلقت نادين وقعدت أعيط في مكتبه، طبطب على كتفي وقال لي: “سافر يا سليم.. سافر وأنا مستعد أدير فرع القاهرة كله لوحدي، اخرج برة مصر وسحل نفسك في فرع الخليج عشان تنسى الوجع والمشاكل”؟!
استوعبت كل حاجة في ثانية واحدة. شريط السنتين اللي فاتوا مر قدامي برؤية تانية خالص.. رؤية مرعبة. شريف كان بيبعدني عن مصر بكل الطرق، كل ما أقوله عايز أنزل إجازة، يقولي “المشاريع برة واقفة عليك، متضيعش شقانا”. وطارق.. طارق اللي كان بيسمع شكوتي ونادمي برة مصر، مكنش بينقل الكلام لنادين، ده كان بينقله لشريف!
قُلت لرامي بصوت بيترعش من الغل: “أنت متأكد يا رامي؟ متأكد من الكلام ده؟”.
رد عليا: “الأوراق قدامي يا صاحبي.. التمويل اللي اتفتح بيه بوتيك الورد بتاع نادين، طالع من حساب شركة وهمية لخدمات الديكور، والشركة دي المملوك الوحيد ليها هو شريف. وطارق مُعين كمستشار قانوني في الشركة الوهمية دي بمرتب فلكي! طارق مش شريك بفلوسه يا سليم، طارق مجرد واجهة، وشريف هو اللي بيحرك كل حاجة من ورا الستار”.
قفلت السكة من غير ما أنطق بكلمة. النسمة الباردة اللي في الشقة اتقلبت لإعصار. الغرور اللي اتكسر جوايا في محل الورد وفي بيت حماتي، اتقلب لطاقة انتقام مرعبة. نزلت جري، ركبت عربيتي وسوقت كأني مجنون في شوارع القاهرة لحد ما وصلت لمقر شركتنا الرئيسي في المهندسين.
دخلت الشركة وبقيت بزق الموظفين والسكرتارية اللي كانوا بيبصولي بذهول وصدمة لأنهم مشفتونيش من سنتين. وصلت لمكتب شريف، زقيت الباب برِجلي ودخلت.
شريف مكنش مخضوض.. بالعكس، كان قاعد ورا مكتبه الفخم، بيشرب قهوته بهدوء غريب. بصلي وابتسم ابتسامة صفرا وقالي: “حمد الله على السلامة يا سليم.. كنت عارف إنك هتيجي هنا بعد ما تخلص لفتك على نادين ومامتها”.
قربت من المكتب، هبدت بإيدي بكل قوتي على الخشب وزعقت: “يا واطي! يا خاين! بقا أنت.. أنت اللي مأمنك على مالي وشقا عمري، تطلع أنت اللي بتدير لعبة الجوازة دي؟ أنت اللي بتمول طارق ونادين عشان تكسرني وتاخد ابني؟ ليه؟ أنا عملت فيك إيه؟! ده أنا مأمنك على روحي!”.
شريف حط فنجان القهوة براحة، وسند ضهره لورا، ونبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت حادة ومليانة غل مكنتش بشوفه فيه زمان: “أنت عملت فيا إيه؟ أنت مش شايف نفسك يا سليم؟ طول عمرك الأناني، الشايف نفسك، الراجل اللي سايق فيها البرود والقسوة على الكل. في الشغل كنت دايماً بتاخد اللقطة وتطلع أنت المهندس العبقري وأنا مجرد الإداري اللي قاعد ورا المكاتب. حتى نادين.. البنت الرقيقة اللي كانت بتستحمل قسوتك وإهاناتك وتطنيشك ليها، مكنتش حاسس بالنعمة اللي في إيدك”.
صدمتي كانت بتكبر مع كل كلمة بيقولها، فكمل وهو بيضحك بسخرية: “أنا ماليش دعوة بنادين كست، نادين عمرها ما شافتني أكتر من ابن عمتك.. بس طارق كان بيموت فيها من زمان ومكنش قادر يتكلم طول ما هي على ذمتك. لما أنت بغبائك وفرعونيتك طلقتها ورجعت سألتني أعمل إيه، أنا وطارق لقيناها فرصة. أنا كان يهمني تطلع برة مصر خالص، تسيبلي الجمل بما حمل عشان أقدر أدير فرع القاهرة من غير قرفك وتحكماتك.. وطارق كان عايز نادين. فعملنا الصفقة.. أنا مولت المحل لـ نادين باسم شركة الديكور عشان تقف على رجليها وماتحتاجلكش ولا تفكر ترجعلك، وطارق كان الغطاء القانوني والإنساني اللي بيوفرلها الأمان لحد ما تقع في حبه.. وبكده، طارق أخد الست اللي بيتمناها، وأنا أخدت الشركة!”.
مسكته من ياقة قميصه ورفعته من ورا المكتب وأنا بعيط من كتر القهر: “والشركة؟ افتكرت إنك هتاخدها؟ أنا هرفع عليك قض..ية وهحبسك يا شريف.. الفلوس دي فلوس الشركة وأنت اختلستها عشان تمول بيها مشاريعك الشخصية!”.
شريف نزل إيدي بكل برود وبص في عينيا بنظرة خلت ركبي تخبط في بعضها وقالي: “ترفع قض..ية على مين يا سليم؟ أنت نسيت التوكيل العام الرسمي اللي عملتهولي قبل ما تسافر؟ أنت نسيت العقود ومحاضر مجالس الإدارة اللي كنت بتبعتها لمكتبنا برة وممضية منك بالفاكس والإيميل الرسمي؟ أنا من ست شهور عملت إعادة هيكلة للشركة، ودمجت فرع القاهرة في مجموعة شركات تانية تبعي، وحالياً حصتك القانونية في فرع القاهرة مابتتعداش الـ 5%.. يعني أنت مملكش هنا غير تمن المكتب اللي أنت واقف فيه ده!”.
رجعت لورا خطوتين وأنا حاسس إن الحيطان بتضيق عليا، الأكسجين هرب من صدري. خسرت مراتي، وابني، وصاحب عمري، ودلوقتي شريكي وشقا عمري وفلوسي! كل ده بسبب طبعي، وبسبب الغرور اللي خلاني أسيب مكاني فاضي وأمشي وأنا فاكر إن الدنيا هتقف عشاني.
شريف قرب مني، طبطب على كتفي بنفس الطريقة القذرة وقالي بدم بارد: “أنت فاكر إن اللعبة خلصت لحد هنا؟ تليفونك مكنش صدفة يا سليم.. صاحبيك اللي كلمك وقال لك نادين بتتجوز، كلمك بأمر مني أنا! إحنا اللي كنا عايزينك ترجع مصر في التوقيت ده بالذات.. لأن بكرا الصبح فيه مصيبة مستنياك في المحكمة الاقتصادية، ومصيبة تانية أكبر في النيابة بسبب شيكات وعقود توريد مضروبة باسمك أنت لسه واصلة من برة.. أنت مش بس خسرت كل حاجة يا سليم.. أنت رجلك عتبت مصر عشان تدخل السجن!”.

