ابنة الخادمة ٢

كان كبرياؤه ينزف، وغروره المريض قد تحطم تماماً تحت أقدام تلك الفتاة التي طالما وصفها بـ “بنت الخدامة”.
مع أشرقت شمس الصباح، نزل هشام إلى الشقة السفلى بخطوات مرتبكة وبحث بعينيه في كل مكان عن سدرة. وجدها تقف في المطبخ تساعد والدته في تحضير الفطور. لكن بمجرد أن شعرت بوجوده، رفعت نقابها على وجهها بلمسة سريعة، وأعطته ظهرها وواصلت عملها في صمت تام، وكأنه غير موجود بالمرة.
اقترب هشام بخطوات متباطئة، ونبرة صوته المترددة تحمل انكساراً لم يعهده أحد فيه من قبل:
– هشام: “سدرة… صباح الخير.”
لم تلتفت، ولم تنبس ببنت شفة، بل أكملت تقطيع الخضار بثبات يقطع القلوب.
– هشام بنبرة رجاء: “سدرة.. بكلمك! عل الأقل ردّي السلام.. الدين بيقول كده.”
خرجت ثريا من المطبخ وهي تحمل بعض الأطباق، ونظرت لهشام بنظرة سخرية حادة:
– ثريا: “في إيه يا هشام؟ مالك جاي تزعج البنت من الصباح؟ مش أنت اللي شرطت إنها ما تتكلمش معاك طول ما أنت عايش؟ البنت محترمة كلمتك وتطبيقتها بالحرف، جايلها ليه بقى دلوقتِ؟”
– هشام وهو يمسح وجهه بيده بعصبية ونفاذ صبر: “يا ماما أرجوكِ ما تضغطيش عليا! أنا اتجننت خلاص! أنا عارف إني غلطت وكنت غبي وأعمى.. بس مش قادر أتتحمل المعاملة دي!”
– ثريا ببرود شديد: “والله ده مشكلتك أنت يا بني.. اللي يبني سور من القسوة والكبر بينه وبين الناس، ما يجيش يشتكي لما يلاقي نفسه برّه السور ده لوحده.”
تركهم هشام وخرج من البيت كالمجنون، وركب سيارته واتصل بصديقه عمر، وطلب منه اللقاء فوراً في أحد القهاوي الهادئة.
جلس عمر أمامه ورأى وجه هشام الشاحب وعينيه المنهمكتين من السهر والندم:
– عمر باستغراب: “مالك يا هشام؟ شكل كأنك طالع من جنازة!”
– هشام بصوت مكسور وهو يضع رأسه بين يديه: “أنا بموت يا عمر.. بموت من الندم والغيرة والتفكير.”
– عمر: “في إيه يا بني؟ إيه اللي حصل؟ مش أنت كنت نازل تدوّر على عروسة ثانية وكنت عايز تخلص من جوازتك دي؟”
– هشام بصوت مخنوق وهو ينظر لعمر: “طلعت حورية يا عمر… طلعت قمر نزل من السماء! أنا عمري ما شفت في حياتي جمال ولا رقة ولا هيبة بالمنظر ده.. وأنا الغبي الأعمى اللي أهنتها وشتمتها وشرطت عليها ما تتكلمش معايا!”
