ابنة الخادمة ٢

أقبلت سدرة بسك.ينة وأدب جم، وسلمت على نيفين هانم ورجال المجلس بصوت خفيض هادئ يفيض رقة وحياء:
– سدرة: “أهلاً بحضرتك.. نورتونا.”
صوتها الرقيق سرى في أذن هشام كالصدمة الكهربائية. كاد قلبه يقفز من صدره. ظل واقفاً كالصنم، يحاول أن يربط بين الفتاة المنقبة التي كان يستعر منها ويصفها بـ “بنت الخدامة”، وبين هذه الحورية المكتملة الجمال والأنشوطة التي تقف أمامه الآن وتخطف أنظار الجميع.
اقتربت ثريا من هشام وربطت على كتفه بابتسامة خبيثة ونبرة حادة همست بها في أذنه:
– ثريا بصوت خفيض جداً: “مالك يا هشام؟ اتسمرت مكانك ليه؟ مش دي بنت زينب الخدامة اللي ما تتشافش ولا تليق بمستواك؟”
بلع هشام ريقه بصعوبة بالغين، ودقات قلبه تتسارع بجنون. حاول أن يتكلم أو يسترد ثباته، لكن لسانه عجز تماماً. كان ينظر لسدرة وهي تتحدث بتهذيب وتواضع مع نيفين هانم وفاروق بك، ورأى نظرات الانبهار والتقدير في عيون الجميع.
جلس الجميع على طعام العشاء، وظل هشام طوال الوقت يختلس النظر إلى سدرة، وكلما نظر إليها كلما شعر بنار العار والندم تحرق أحشاءه. تذكر كل كلمة قاسية قالها عنها، وكل شرط أحمق وضعه، وتذكر كيف حرم نفسه من هذا الجمال وهذه الرقة لأسابيع طويلة بسبب كبره وغروره الفارغ.
في أثناء العشاء، قال فاروق بك بابتسامة إعجاب:
– فاروق بك: “والله يا محسن أنت وهشام محظوظين.. ذوق وأخلاق وجمال نادراً ما نشوفه اليومين دول. ربنا يحفظهالكم.”
– محسن بابتسامة فخر: “الحمد لله يا فاروق بك.. سدرة جوهرة البيت عندنا.”
كان شريف ينظر لسدرة باحترام وانبهار، ولما لاحظ هشام طريقة نظرات شريف إليها، ولدت في قلبه لأول مرة نيران الغيرة الفائقة، وضغط على يده بعصبية شديدة وهو يتمنى لو يغطي سدرة عن أعين العالم كله الآن!
انتهت السهرة، وودّع محسن وثريا الضيوف عند الباب.
بمجرد أن أُغلق الباب الخارجي، صعدت سدرة هادئة متجهة نحو غرفتها دون أن تنظر إلى هشام أو تتفوه بكلمة واحدة، متمسكة بشرطه القديم بأن لا تتكلم معه.
وقف هشام في منتصف الصالة والشرر يخرج من عينيه، ينظر لأمه التي كانت تبتسم بنصر:
– هشام بصوت يرتجف من الغضب والذهول: “يا ماما… أنتِ… أنتِ كنتِ عارفة؟! أنتِ ضحكتِ عليا؟!”

