السوبرماركت روماني مكرم ٢
الجزء الرابع
كتمت أنفاسي وأنا أستند إلى جدار المكتب البارد، وقلبي يقرع في صدري كأنه يريد الخروج من بين أضلعي. كان الخيال يتحرك بخفة وأناقة أفاعي الليل، يسكب السائل الخفيف من الزجاجة البلاستيكية على أطراف كراتين الزيت والورق، وريحة البنزين النفاذة بدأت تتسلل عبر فتحات التهوية لتملأ المكان
لم يكن هناك وقت للانتظار حتى يصل أبي وأحمد؛ فالشرارة الأولى كانت كفيلة بتحويل ملايين البضاعة إلى رماد في دقائق معدودة، وحرق البناية بأكملها بما فيها شقتي التي تنام فيها بنتاي الصغيرتان!
بدلاً من الصراخ الذي قد يدفع المجرم لإشعال العود فوراً، سحبتُ عصا حديدية ثقيلة كانت ملقاة بجوار باب المكتب، ثم تسللتُ في الظلام الدامس مستغلة معرفتي الدقيقة بزوايا المخزن وممراته. اقتربتُ بحذر شديد حتى أصبحتُ على بعد خطوات قليلة منه، وكان الضوء الخافت المتسلل من الشباك العالي يضيء جزءاً من وجهه..
ولم تكن المفاجأة حسين! بل كان “سعيد”، العشي الموثوق والصبي الأقرب لزوجي المرحوم في المحل منذ سنوات، والذي كنتُ أعتبره ذراعي الأيمن في الأيام الماضية!
اندفعتُ نحوه الأرض وأنا ، وفي ثوانٍ معدودة كانت أقدام أبي وأحمد أرضية المخزن بعد أن تركا باب الشارع مفتوحاً، وخلفهما عشرات التباشير من رجال الشارع والسوق الذين فزعوا على صوت .
أضاء أحمد أنوار المخزن الكاشفة، ليتجلى الأرضية، وسعيد الصبي ملقى على الأرض يتأوه، والولاعة في يده الأخرى، وأنا أقف فوقه ماسكة بالعصا يتطاير من عيني.
اندفع أحمد عليه وضربه ضربة أسقطته أرضاً وهو يصرخ: “يا واد يا جزمة! ده خير وقف الحاج متولي الذي حضر فوراً على أثر الضجة، ونظر لسعيد بحزم وقال: “انطق يا مخصي! مين اللي زقك تعمل في تلك اللحظة، كانت حماتي وزوجة حسين تنزلان درج العمارة بفزع على صوت الضجة، وحسين يقف خلفهما على السلم يحاول معرفة ما يجري. وما إن سمع اعتراف سعيد الصريح أمام كل تجار السوق، حتى استدار بسرعة وحاول الهرب صعوداً إلى الشقة!
لكن شباب الشارع وأحمد أخي كانوا أسرع منه؛ قفزوا على السلم وأمسكوا به من تلبيبه وسحلوه إلى أسفل، ليقف وسط حلقة السوق بالغضب.
حاول حسين الصراخ والنكران: “كداب! الواد ده حرامي وبيتبلى عليّ! أنا أعمل كده في ملك أخويا؟”