زوجي مسافر روماني مكرم ١

أخدت نفس طويل جداً، مسحت وشي بإيدي اللي كانت بتموت من البرودة، ومسكت التليفون.

حاولت أظبط صوتي، أضغط على حنجرتي عشان ما تبانش المأساة اللي أنا فيها. فتحت الخط.

* “ألو.. صباح الخير يا سمر.”

صوته كان عادي جداً! دافئ، حنون، خالي من أي أثر للجريمة اللي ارتكبها إمبارح.

بلعت ريقي بالعافية وقلت بصوت هادي، زي الميت:

* “صباح النور يا إبراهيم.”

* “إيه يا حبيبتي، صحيتي؟ صوتك مالك كده؟ متغير ليه؟ إنتي تعبانه؟”

سؤال النفاق ده خرج منه بمنتهى السهولة.. “صوتك مالك؟”!

قلت له وأنا بأكد على كل كلمة:

* “لا.. مفيش. بس ما نمتش كويس إمبارح.. أصل الجو كان مكتوم شوية.”

سكت ثانية، وقال بضحكته المعتادة:

* “معلش يا حبيبتي.. هانت خلاص، أيام وتكوني معايا هنا وفي حضني والتعب ده كله يروح. عملتي إيه؟ نازلة القنصلية النهاردة؟”

في اللحظة دي، كان قدامي طريقين:

إما أصرخ في وشه، أقوله أنت خاين ومنافق، وأسمعه الصوت اللي سمعته إمبارح وأقفل السكة وأطلب الطلاق..

أو ألبس القناع، وألعب الملعوبة اللي لازم تتلعب عشان أعرف الحقيقة كاملة ومضيعش حقي.

لو صرخت دلوقتي، هيقفل عليا، هيغير أرقامه، هيتحامى في غربته، وأنا هفضل هنا في مصر مضحوك عليا، مكسورة، ومحدش هيصدقني أو يقف معايا من غير دليل قاطع.

أنا لازم أروح له! لازم أحط رجلي في بيته بره، وأشوف الست دي بوشي، وأعرف كل حاجة بنفسي!

غيرت نبرة صوتي فوراً، وخليت فيها شوية لهفة مزيفة:

* “أه طبعاً يا إبراهيم.. أنا قائمة أهو ألبس عشان ألحق الدور في القنصلية. خلاص فاضل البصمة والفيزا تتختم، ومش فاضل غير أسبوع وتكون الشنطة مقفولة وأنا عندك.”

سمعت تنهيدة منه.. تنهيدة مش عارفة كانت راحة ولا توتر:

* “ربنا يوفقك يا سمر.. خلصي وكلميني أول ما تخرجي. وتخففي على نفسك يا حبيبتي متضغطيش على روحك.”

* “حاضر يا إبراهيم.. مع السلامة.”

قفلت المكالمة.. وقفت قدام المراية. بصيت لوشي.. كان شاحب، وتحت عيني سواد، بس عيني نفسها كان فيها شرار غريب. الخوف والتعب اللي كانوا فيا إمبارح تحولوا لجمود.

نزلت الشارع.. مشيت وسط الناس وأنا مش حاسة بالزحمة ولا بالحر. دخلت القنصلية، وقفت في الطابور، قدمت الأوراق، بصمت، واستلمت الميعاد النهائي لاستلام الباسبور بالفيزا. كل خطوة كنت بعملها، كنت بحس إنها خطوة نحو كشف المستور.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *