طلقت مراتي عشان البهاق زهرة الربيع ٤

وفي تلك اللحظة الرهيبة، التفت الطبيب نحو الممرضة وقال بأسف: “ارفعي الشحن.. وجهزي المحلول الأخير، دي…”

 

## الجزء التاسع والأخير: مرآة الجوهر

ارتجفت أركان ممر المستشفى، وشعرت بأن جدرانه البيضاء تنهار فوق رأسي. “ارفعي الشحن.. وجهزي المحلول الأخير، دي المحاولة الأخيرة”. نزلت الكلمات على مسامعي كحكم بالإعدام. لم أعد أرى الأطباء ولا الأجهزة، لم أعد أرى سوى شريط حياتي يتلاشى مع ذلك الخط المستقيم على الشاشة.

سقطت على ركبتي في الممر المظلم، وألصقت جبهتي بالأرض الباردة. لم يكن سجود كبرياء، بل كان سجود عبد انكسر تماماً أمام خالقه. بكيت بنحيب مزق صدري، ودعوت من أعماق قلبي: *”يا رب.. أنا اللي استحق الموت، أنا اللي عشت ميت بالغرور والأنانية. خذ من عمري وصحتي، خذ صورتي واسمي وكل ما أملك.. بس رجعها لأهلها، رجع الروح الطاهرة دي للدنيـا”*.

وفجأة، انقطع صوت الصفير المستمر.

حلّ سكون غريب، تبعه صوت نبضات متقطعة.. ثم منتظمة. ركضت نحو الزجاج وأنا ألهث، ورأيت الطبيب يرفع يديه عن جهاز الصدمات ويتنفس الصعداء، ويمسح العرق عن جبينه وهو ينظر للممرضة قائلاً: “النبض رجع.. سبحان من يحيي العظام وهي رميم”.

انفجرت والدتها بالبكاء، وسقط أخوها محمود على الكرسي مغطياً وجهه، أما أنا، فاستندت على الجدار وشعرت بقدمي لا تقويان على حملي. كانت تلك اللحظة هي لحظة ولادتي الحقيقية؛ أدركت فيها أن الحياة والموت، الجمال والقبح، كلها بيد الله، وأننا لا نملك من أمر أنفسنا شيئاً لنتكبر به على خلقه.

مرت ثلاثة أسابيع أخرى.. بدأت فيها هيام تستعيد وعيها تدريجياً. تحسن نطقها وحركتها، وزالت الغيبوبة تماماً. وطوال تلك الفترة، لم أدخل غرفتها قط. كنت أعلم أن رؤيتي قد تزعجها أو تؤخر شفاءها، فكنت أكتفي بالبقاء في الممر، أشتري الأدوية، وأرتب مع الأطباء، وأخدم عائلتها من بعيد دون أن أفرض وجودي.

أخوها محمود بدأ يلاحظ هذا التغيير الصامت. وفي يوم خروجها من المستشفى، اقترب مني في الممر وسلم عليّ بحرارة لأول مرة، وقال بصوت خافت: “أنا شوفتك طول الأسابيع اللي فاتت يا أحمد.. وشوفت أنت عملت إيه. أنا مش هقدر أقولك سامحناك، لأن الجرح كان غويط، بس هقولك إنك بقيت راجل بجد في نظري. هيام عارفة إنك هنا.. وهي طالبة تشوفك قبل ما نمشي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *