هؤلاء الأطفال النائمون قرب القمامة يشبهونني!
هؤلاء الأطفال النائمون قرب القمامة يشبهونني!
في تلك اللحظة أحس إدواردو أن الأرض تميد تحت قدميه.
لم يعد ما يراه مجرد طفلين مشردين ينامان بين القمامة بل كان يشعر وكأنه ينظر إلى نسختين أخريين من ابنه الوحيد.
ابتلع ريقه بصعوبة ثم انحنى قليلا وقال بصوت حاول أن يجعله هادئا قدر الإمكان
يا صغيري دعهما ينامان سنغادر الآن.
لكن بيدرو هز رأسه ببطء دون أن يرفع عينيه عنهما وتمتم بإصرار طفولي
لا يا أبي لا أستطيع أن أتركهما هكذا إنهما يشبهانني كثيرا.
تحرك أحد الطفلين فجأة تقلب على جانبه ثم فتح عينيه بتعب واضح.
تجمد وهو يرى صبيا أنيقا بثياب مدرسة نظيفة ووجه يشبهه حد الذهول ورجلا يرتدي ساعة ذهبية يقف خلفه بنظرة مضطربة.
انتفض قلبه خوفا ومد يده يهز كتف أخيه النائم بجانبه
ماتيو ماتيو اصح في ناس جنبنا.
استيقظ الطفل الآخر بفزع جلس سريعا ثم التصق بأخيه .
كانا يرتجفان لكنهما لم يمدا أيديهما طلبا للطعام ولم يتوسلا بشيء فقط نظرات قلق وحذر.
قال ذو الشعر البني الفاتح بصوت مبحوح
لو سمحت يا سيدي نحن لا نؤذي أحدا إذا كنتم تريدوننا أن نرحل سنرحل.
في تلك اللحظة تقدم بيدرو خطوة للأمام وجلس بجانب الفرشة على الأرض المتسخة دون أن يفكر في ثمن ملابسه وابتسم ابتسامة صغيرة وقال
لن يطردكما أحد أبي رجل طيب. اسمي بيدرو وأنتم
تردد الطفلان تبادلا نظرة سريعة ثم قال الأكبر
أنا لوكاس وهذا أخي الصغير ماتيو.
تعلق اسم لوكاس في أذن إدواردو كجرس بعيد.
اسم قديم مؤلم وكأنه سمعه يوما ما في غرفة بيضاء برائحة المطهر وصوت أجهزة مراقبة لا تتوقف.
لكنه دفع الفكرة عن رأسه پعنف كأن عقله يرفض أن يفتح هذا الباب.
ركع إدواردو بدوره حتى صار على مستوى عيونهم وقال بنبرة أكثر ليونة
تشرفنا يا لوكاس ويا ماتيو منذ متى وأنتم هنا
نظر لوكاس إلى الأرض قبل أن يجيب
ثلاثة أيام وثلاث ليال تقريبا. المربية التي كانت تهتم بنا قالت إنها لا تملك مالا بعد الآن أخذتنا في الليل إلى هذا الشارع وتركتنا هنا وقالت إن أحدا ما سيأتي لمساعدتنا لكن لا أحد جاء.
شد ماتيو طرف القميص الممزق لأخيه ثم همس كمن يكمل
الرواية التي كرراها أكثر من مرة
أحيانا نذهب إلى المخبز في الزاوية امرأة هناك تعطينا أحيانا بقايا خبز لكن اليوم لم نأكل شيئا.
كان إدواردو يستمع إليهما وقلبه يتشقق كلمة بعد كلمة.
مربية أخذتنا في الليل لا تعرفان أين أمكما
كل جملة كانت تربط خيطا جديدا بما يحاول أن ينساه منذ خمس سنوات.
قال بلطف
وأين تعيشان عادة هل لديكما بيت أحد يعتني بكما
أجاب لوكاس
كنا نعيش مع خالتي اسمها مارسيا. كانت تقول إن أمنا ماټت في المستشفى عندما ولدنا وإن والدنا لا يستطيع الاعتناء بنا لأن لديه طفلا آخر أصغر ويجب أن يهتم به.
توسعت عينا إدواردو لكنه أخفى ارتجافة صوته بصعوبة.
مارسيا.
الاسم
ضړب ذاكرته كصڤعة.
أخت باتريسيا
الصغرى تلك التي كانت تأتي إلى المستشفى كل يوم خلال فترة الحمل تلك التي اختفت فجأة بعد ۏفاة زوجته وادعت أنها لا تستطيع البقاء في المدينة نفسها.
تداخل صوت بيدرو الطفولي مع أفكار أبيه وهو يمد يده داخل حقيبته المدرسية بحماس
أبي هل أستطيع أن أعطيهما البسكويت الذي في حقيبتي عندنا الكثير من الطعام في البيت وأنا لست جائعا.
أخرج علبة بسكويت فاخرة فتحها ومدها نحو لوكاس وماتيو بكل تلقائية وبراءة.
رفع الطفلان عيونهما نحو إدواردو كمن ينتظر الإذن احتراما غريبا في موقف بائس كهذا.
أومأ إدواردو برأسه دون أن يجد صوتا فانقضا على البسكويت لكنهما لم يأكلا بجشع.
كسر لوكاس أول قطعة إلى نصفين أعطى
نصفها لأخيه ثم بدأا يأكلان ببطء يمضغان كأنهما يتذوقان شيئا لم يعرفاه منذ زمن بعيد.
كان بيدرو يراقبهما بإعجاب
إنهما مثلنا يا أبي نحن أيضا نقسم الأشياء بيننا في البيت.
في تلك اللحظة لاحظ إدواردو شيئا أعمق من مجرد الشبه في الملامح
الطريقة نفسها في حك المنطقة خلف الأذن عندما ينتظرون شيئا
نفس طريقة عض الشفة السفلى قبل الكلام
الالتفاتة السريعة ناحية اليمين قبل عبور الشارع
تلك تفاصيل لا يراها سوى أب عاش مع ابنه لحظة بلحظة.
شعر ببرودة حادة تسري في عروقه.
ليس الأمر مجرد شبه.
إنه انعكاس دقيق كما لو أنه يرى ثلاث نسخ من نفس الطفل في ثلاثة عوالم مختلفة.
سأل بصوت مبحوح
منذ متى وأنتم برفقة
تلك المربية مارسيا
أجاب ماتيو هذه المرة
منذ أن كنا صغارا جدا لا نتذكر بالضبط. كانت تقول إنها أنقذتنا من الشارع عندما كنا أطفالا لكنها كانت تغضب كثيرا وتصرخ وتختفي أياما أحيانا وتقول إننا السبب في تعاستها.
قال لوكاس وهو يحدق في أصابعه المتسخة
لكننا كنا نحبها على أي حال لأننا لم نعرف أحدا غيرها.
أطلق بيدرو زفرة حادة ثم الټفت إلى أبيه
أبي لا يمكن أن نتركهما هنا. انظر كيف هما نحيفان وكيف يرتجفان. يمكننا أن نأخذهما إلى بيتنا نحممهما ونأكل جميعا أليس كذلك
ظل إدواردو صامتا لحظات يحاول أن يسكت العاصفة في رأسه
المستشفى باتريسيا الولادة المعقدة الډم الكثير الوجوه القلقة للأطباء جملة
أنقذنا واحدا التي ظلت تطارده في الكوابيس والآن طفلان يشبهان ابنه حد التطابق عاشا مع امرأة اسمها مارسيا يجهلان كل شيء عن أبيهما.
رفع عينيه إلى السماء الرمادية للحظة كما لو أنه يبحث عن إشارة من باتريسيا نفسها.
ثم تنفس بعمق واتخذ القرار الذي سيغير حياته للأبد.
قال بحزم هادئ
يا لوكاس يا ماتيو ما رأيكما أن تأتيا معنا إلى البيت نأخذ حماما ساخنا نأكل طعاما حقيقيا وبعدها نفكر بهدوء في ما سنفعله
تجمد الطفلان في مكانهما وامتزج في عيونهما أمل حذر مع خوف متجذر.
قال لوكاس بصوت مرتجف
لن تتركنا في مكان أسوأ أليس كذلك لن تبيعنا لن تضربنا
لم يستطع إدواردو الإجابة بسرعة.
فجأة مد بيدرو يديه الصغيرتين
وأمسك بكف لوكاس بكامل
الثقة وبكف ماتيو باليد الأخرى وقال بجدية لا تشبه عمره
أقسم لكما أبي طيب جدا. لا يؤذيني أبدا. يحضنني كل ليلة ويقرأ لي القصص. لن يسمح لأحد أن يضربكما وإذا حاول أحد سأقف أمامكما كما أفعل مع أصدقائي في المدرسة.
نظر لوكاس إلى يد الطفل الصغيرة ثم إلى عينيه الخضراوين ثم إلى الرجل الواقف خلفه والدمع يلمع في عينيه كأن قلبه مكشوف أمامهم.
شعر لوهلة أنه يعرفهما منذ زمن بعيد
هذا الوجه وهذه العينان وهذا الوعد.
همس
حسنا سنأتي لكن إذا حاول أحد إيذاءنا سنهرب.
ابتسم بيدرو فورا
اتفقنا. لكني متأكد أنك لن تحتاج إلى الهرب هذه المرة.
ساعدهما على الوقوف حمل ماتيو كيسا بلاستيكيا صغيرا يحتوي على شيء
من فتات
خبز وعلبة بلاستيكية شبه فارغة من الماء بينما ضم لوكاس الفرشة البالية بيده كأنها آخر ما يملكانه من بيت.
ثم ساروا الأربعة معا في الشارع الضيق
بيدرو في المنتصف ممسكا بيدي الصبيين وإدواردو خلفهم يراقب خطوة كل واحد منهم يشعر أن خطواته تزداد ثقلا كلما اقترب من سيارته الفاخرة.
كان المارة يتوقفون للحظة يتفرجون على المشهد
ثلاثة أطفال متشابهين بشكل لا يمكن تجاهله يمشون في صف واحد ووجوههم تحمل الملامح ذاتها كأنهم ثلاث صور لولد واحد خرج من المرآة في اتجاهات مختلفة.
أحد المارة همس لآخر
انظر كأنهم ثلاثة توائم من عائلة غنية لكن اثنين منهم خرجا من فيلم آخر.
عندما وصلوا إلى السيارة السوداء الفارهة
توقف لوكاس وماتيو أمامها ونظرا إليها بعيون مدهوشة.
مر أصبع ماتيو فوق هيكلها اللامع بحذر كأنه ېخاف أن يخدشها بمجرد اللمس.
قال بخفوت
هل هذه سيارتك يا سيدي
أجاب بيدرو بسرعة بفخر طفولي
هذه سيارة أبي نذهب بها إلى المدرسة وإلى النادي وإلى أي مكان نريد.
فتح إدواردو الباب الخلفي تردد الطفلان لحظة قبل أن يدخلا.
جلس بيدرو بينهما كأن الأمر بديهي وأغلق الباب بنفسه بينما دار إدواردو حول السيارة وجلس خلف المقود.
في المرآة الداخلية رأى المشهد الذي لن ينساه ما دام حيا
ثلاثة وجوه متطابقة تقريبا ثلاث عيون خضراء تلمع ثلاثة أطفال يتحدثون ويتبادلون الابتسامات وكأنهم يجتمعون بعد فراق طويل لا يستطيعون تفسيره.
بدأت السيارة تتحرك ببطء وغادرت الشارع الضيق المليء بالقمامة والوجوه المنهكة نحو الأحياء الراقية ذات الشوارع الواسعة والأشجار المصطفة.
على طول الطريق كان بيدرو يشير من النافذة قائلا بحماس
انظر يا لوكاس هذا المبنى الزجاجي الكبير هناك هذا مكان عمل أبي. يملك شركة كبيرة جدا.
وهذا المول الذي نذهب إليه أحيانا في عطلة نهاية الأسبوع وهذا هو الحي الذي فيه أكبر حديقة ألعاب.
كان لوكاس يسأل عن كل شيء
وماذا تفعل شركتك هل تساعد الناس هل يوجد أطفال آخرون في حيك
بينما يجلس ماتيو صامتا في أغلب الوقت يراقب كل شيء بعينيه الواسعتين ويضغط على حافة المقعد بأصابعه النحيلة كأنه لا يزال غير مصدق أن كل هذا
حقيقي.
أما قلب إدواردو فكان
ساحة معركة حقيقية
جزء منه يريد أن يفرح أن يضم الطفلين بقوة أن ېصرخ للعالم أنه وجد ما ظنه مفقودا إلى الأبد
وجزء آخر يرتجف من فكرة الحقيقة من الماضي من الأسئلة القانونية من ڠضب عائلته ومن احتمال خسارتهم مرة أخرى.
حين وصلوا إلى بوابة القصر اتسعت عيون لوكاس وماتيو أكثر.
أسوار عالية حديقة خضراء واسعة أشجار مقصوصة بعناية ونافورة مياه في المنتصف تعكس ضوء الشمس كأنها قطع من الزجاج.
تمتم ماتيو
هل تعيش هنا حقا
رد بيدرو ببساطة
نعم لكن أبي يقول دائما إن البيت كبير جدا على شخصين فقط كنت أضحك حينها لكن الآن ربما لم يعد كبيرا
بما يكفي!
فتح الحارس البوابة وهو يقف مشدوها من رؤية ثلاثة بيدرو ينزلون من السيارة.
لم يقل شيئا بل اكتفى بعبارة واحدة
يا إلهي!
في الداخل كانت روزا مدبرة المنزل تنتظر عند المدخل كما تفعل كل يوم جمعة عندما يعود السيد والطفل من المدرسة.
لكنها هذه المرة حين رأت الأطفال الثلاثة يدخلون سقطت مفاتيحها من يدها أرضا ووضعت يدها على صدرها وهي تهمس
قديسو السماء ما هذا الذي أراه
قال إدواردو بإيجاز وهو يحاول السيطرة على صوته
روزا ساشرح لك كل شيء لاحقا. الآن أحتاجك أن تحضري حمامين ساخنين وملابس نظيفة لهذين الصغيرين وطعاما كثيرا كثيرا
جدا.
التفتت روزا إلى لوكاس وماتيو ورأت تحت الاتساخ والملابس الممزقة وجوها ناعمة وجسدين هزيلين وعينين تحملان مزيجا من الخۏف والأمل.
اقتربت منهما ببطء وانحنت حتى صارت في مستوى أعينهما وقالت برقة أم
مرحبا يا صغيري لا تخافا من اليوم لن تناما في الشارع بعد الآن.
بينما كانت تقودهما نحو الحمام وقف بيدرو في منتصف البهو ينظر إلى أبيه بعينين لامعتين
أبي
نعم يا حبيبي
أشعر بشيء غريب هنا وأشار إلى صدره بيده الصغيرة.
كأن شيئا مكسورا بداخلي التئم فجأة.
لم يستطع إدواردو منع دموعه هذه المرة.
اقترب من ابنه رفعه بين ذراعيه وضمھ بقوة
حتى كاد يسمع دقات قلبه وهمس
ربما لأن قلبك وجد أخيرا الأجزاء التي كانت مفقودة منه.
وبينما صوت الماء ينساب في الحمام البعيد وصوت روزا تتحدث مع الطفلين بحنان وقف إدواردو وحده في البهو الواسع يدرك أنه لم يعد فقط أبا لطفل واحد
وأن هذا اليوم الذي بدأ بجملة عابرة من طفل في شارع فقير
أبي هذان الطفلان يشبهانني
لن يكون مجرد يوم عابر
بل بداية قصة طويلة ستكشف له كل ما حاولت عائلته إخفاءه وستضع قلبه وعقله أمام أصعب امتحان في حياته.
ومن تلك اللحظة لم يعد هذا القصر بيتا لرجل وابنه فقط
بل صار مسرحا لحقيقة كبيرة كانت تنتظر خمس سنوات
كاملة لتخرج إلى النور.
