طلقت مراتي عشان البهاق زهرة الربيع ٤

دخلت الغرفة بقلب يرتجف، وخطوات بطيئة وخجولة. كانت تجلس على السرير، فستانها فضفاض، ورأسها ملفوف برباط طبي صغير، ووجهها يحمل ندوب الحادث بجانب بقع البهاق.. لكنها في عيني كانت تبدو كالقمر ليلة بدره؛ جمالاً لم تلمسه عيني من قبل، لأنه كان جمال الروح المنتصرة.
وقفت بعيداً، وأحنيت رأسي قاصداً: “الحمد لله على سلامتك يا هيام.. أنا بس جيت عشان أسمع أمرك، ومستعد لتنفيذ أي حاجة تطلبيها.”
نظرت إليّ طويلاً بنظرات صافية، خالية من الغضب وخالية أيضاً من العاطفة القديمة، وقالت بصوت هادئ: “أنا سحبت القضية يا أحمد.”
نظرت إليها بذهول: “ليه؟ ده حقك!”
تابعت بهدوء: “سحبتها لأن الحادثة دي خلتني أشوف إن العمر أصغر بكتير من إننا نقضيه في المحاكم والانتقام. وسحبتها لأن محمود حكالي عن كل اللي عملته مع والدي في مستشفى أسيوط، وعن وقفتك هنا تحت رجلينا في مستشفى الجامعة. أنا مش هقولك إني نسيت، ولا هقولك إننا ينفع نرجع.. اللي انكسر بين الزوج والزوجة مات يوم ليلة الفرح ومبقاش ينفع يصحى. بس أنا شفت في عينيك بالأمس، ومن ورا الزجاج، إنك بقيت بني آدم بجد.. وده يكفيني كـ رد اعتبار.”
نزلت دمعة حارة من عيني، ولم تكن دمعة حزن بل دمعة رضا: “ده يكفيني وزيادة يا هيام.. أنا مش طالب أكتر من إنك تكوني بخير، وتسامحيني بينك وبين نفسك.”
أومأت برأسها وقالت: “مسامحاك يا أحمد.. ربنا يوفقك في حياتك الجديدة.”
خرجت من الغرفة ومن المستشفى كلها، وأنا أشعر أن جبالاً أُزيحت عن كاهلي. عدت إلى القاهرة، لكنني لم أعد إلى “أحمد” القديم. أغلقت منصاتي القديمة التي كانت تقيس البشر بالمظاهر، وفتحت صفحة جديدة في حياتي وفي كتاباتي. بدأت أكتب عن الجوهر، عن الروح، عن قضايا الإنسان وحق المريض والضعيف في القبول والدعم.
استخدمت قلمي لأحارب الأنانية والغرور التي كنت أنا يوماً ضحيتها وجلادها. واجهت المتابعين بحقيقتي دون زيف، واعترفت بخطئي علناً، فخسرت المتابعين السطحيين، وكسبت احترامي لنفسي واحترام القلوب الحقيقية.
### الحكمة من القصة
إن هذه الرحلة القاسية لم تكن مجرد حكاية عن زوجين وفرق بينهما المرض، بل هي مرآة تعكس حقيقة إنسانية كبرى:
* **وهم الكمال الزائف:** إن التعلق بالقشور والمظاهر الخارجيّة هو عبادة لوهم زائل لا يدوم. الجمال الجسدي هو أسرع الأشياء تبدلاً؛ بقعة جلدية، أو حادثة في ثوانٍ، أو تقدم العمر، كفيل بتدمير تلك الصورة التي نرى أنفسنا من خلالها.