طلقت مراتي عشان البهاق زهرة الربيع ٤

تدخل بعض أفراد الأمن والأطباء وفصلوا بيننا. جلس محمود على مقعد وهو ينشج بالبكاء، بينما انزويت أنا في زاوية مظلمة من الممر، جلست على الأرض، ووضعت رأسي بين ركبتي، تماماً كما فعلت في الحمام عندما ظننت نفسي مريضاً بالبهاق.. لكن الخوف هذه المرة لم يكن على جلدي، بل على الروح التي تحيي هذا الجسد.
خرج الطبيب الجراح من غرفة العمليات بعد مرور خمس ساعات كاملة. انقضت عليه العائلة بلهفة، واقتربت أنا من بعيد لأستمع إلى الكلمات التي ستحدد مصيري القادم. مسح الدكتور العرق عن جبينه وقال بتنهيدة ثقيلة: “الحمد لله.. قدرنا نوقف النزيف الداخلي، وظبطنا الكسور. النبض استقر.. لكن المدام دخلت في غيبوبة كاملة بسبب صدمة الرأس. إحنا عملنا اللي علينا، والباقي دلوقتي بإيد ربنا.. الساعات اللي جاية هي اللي هتحدد هل عقلها هيستجيب ويرجع، ولا…”
لم يكمل جملته، ودخلت هيام إلى غرفة العناية المركزة محاطة بالأجهزة والخراطيم. سُمح لوالدتها بالدخول لدقائق، وعندما خرجت، تقدمتُ نحو الزجاج الفاصل ونظرت إليها.
كانت ترقد هناك، شاحبة كالملاك، رأسها ملفوف بالشاش الأبيض، ووجهها النظيف تظهر عليه بقع البهاق بوضوح تحت الإضاءة النيون.. لم تعد البقع مشوهة، بل بدت لي في تلك اللحظة كعلامات طهر تميزها عن بقية البشر. وقفت ووضعت جبهتي على الزجاج البارد وأخذت أهمس بكلمات لم أكن أقولها قط: “قومي يا هيام.. قومي واكسبي القضية، خدي فلوسي، خدي شغلي، ارميني في السجن.. بس عيشي.”
مرت ثلاثة أيام وأنا لم غادر الممر. لم آكل، لم أشرب سوى الماء، ولم أنم إلا لدقائق على الأرضية الباردة. تحولت إلى طيف هائم في المستشفى، وتنازل الصحفيون عن ملاحقتي بعد أن رأوا حالتي المزرية وانكساري الحقيقي الذي لم يكن يحمل أي تمثيل.
في الليلة الرابعة، وبينما كان الممر ساكناً تماماً والجميع غارقون في النوم من التعب، كنت واقفاُ أمام الزجاج أراقب مؤشر نبضات قلبها على الشاشة. وفجأة.. بدأ المؤشر يضطرب، وأصدر الجهاز صوتاً متصلاً ومرعباً يعلن توقف النبض!
اندفعت نحو الباب وأنا أصرخ: “دكتور! إلحقونا! الجهاز بيصفر!”
هرع أطباء الطوارئ والممرضون إلى الغرفة، وأغلقوا الستارة في وجهي. وقفت خلف الزجاج وأنا أرى من خلال شق صغير أطباء الصدمات الكهربائية وهم يحاولون إنعاش قلبها، وجسدها يتفض بقوة على السرير مع كل صدمة، بينما كان مؤشر الحياة على الشاشة لا يزال خطاً مستقيماً وميتاً..
