اختي رجعت من السفر زهرة الربيع ٢

الصوت اللي طلع من الدولاب كان عنيف ومفاجئ لدرجة إننا الثلاثة اتجمدنا في مكاننا. الخبط مكنش مجرد حركة عادية، دا كان رزع قوي ومتواصل كأن فيه بني آدم بكامل قوته محبوس جوه الخشب وبيحاول يكسره ويطلع، أو كأن فيه حاجة مش طبيعية بتتحرك بعشوائية وغل جوة.

نظراتنا اتلاقت في ثوانٍ.. أنا كنت بترعش وهند وشها اتقلب أبيض زي الأموات، أما عمر فقام وقف على حيله وفجأة النظرة المغيبة اللي كانت في عينيه اختفت وحل محلها رعب وفزع حقيقي، وبدأ يرجع لورا لحد ما ظهره لزق في الحيطة وهو بيشاور على الدولاب بإيد بتترعش ويقول بصوت مخنوق:

* “هو ده.. هو ده الصوت اللي بسمعه كل ليلة وأنا نايم لوحدي هنا.. كنت فاكر نفسي بتجنن يا ندى! كنت فاكر إني هلوس من قلة النوم!”

دموعي نزلت ومكنتش قادرة أستوعب حجم الكابوس اللي أنا فيه. بصيت لهند وزعقت بصوت مكتوم من الخوف:

* “يعني إيه يا هند؟ إيه اللي جوه الدولاب ده؟ وإنتِ دخلتي شقتي إزاي أصلاً وتليفونك مقفول ليه؟”

هند بلعت ريقها بالعافية، وقربت مني وهي بتشدني لورا ناحية الصالة، بعيد عن باب الأوضة، وقالت بصوت واطي وسريع:

* “معايا نسخة من مفتاح شقتك القديم يا ندى، نسيتوا إنكم سيبتوه معايا قبل ما أسافر؟ وتليفوني قفلته عشان مكنتش عايزة أي شوشرة لحد ما أتأكد من الشكوك اللي عندي.. أبحاثي بره في علم المخطوطات والآثار القديمة خلتني أفهم في الإشارات دي.. النظرات اللي جوزك كان بيبصها، والخنقة اللي في بيتك، والرموز اللي لقطتها عيني في الصالة أول ما دخلت، كل حاجة كانت بتقول إن البيت ده فيه ‘عَمَل’ معمول بدم سفلي ومحطوط في أوضة نومك بالذات.. عشان كده قولتلك اوعي تنامي معاه في الأوضة!”

الخبط جوه الدولاب زاد، وفجأة الباب الخشب بتاع الدولاب بدأ يتهز جامد وكأن القفل بتاعه هيتكسر. في اللحظة دي، عمر صرخ صرخة مكتومة وحط إيديه على ودنه وقع على ركبه في الأرض.

هند من غير ما تفكر، سابت إيدي وجريت على الأوضة، طلعت المصحف الصغير اللي كان معاها، ووقفت قدام الدولاب وبدأت تقرأ آية الكرسي بصوت عالي وجهوري.. صوتها كان بيرج الأوضة. ومع كل آية كانت بتقراها، كان الخبط جوه الدولاب بيزيد جنون وشراسة، وصوت خربشة حادة كأن فيه ضوافر حديد بتتحك في الخشب من جوه!

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *