اشتريت نفسي نورهان العشري

“في إيه؟ جرى إيه يا جماعة؟ مالكم واقفين كدا ليه؟ الولاد فيهم حاجة؟ بابا أنت كويس؟”
بابا مسك إيدي وطبطب عليا وهو بيضحك وعينيه مدمعة من الفرحة، وقال بصوت حنين:
“مفيش حاجة يا قلب أبوكِ.. بس ارفعي عينك للسما كدا وشوفي.”
رفعت راسي ببطء.. ولقيت المنظر اللي صدمني ووقف النبض في قلبي. في لحظة واحدة، طارت في السما مئات البلالين الحمراء والبيضاء، وفوقهم بلونة هليوم ضخمة جداً، متعلق فيها لافتة قماش عريضة ومكتوب عليها بخط ذهبي كبير وواضح للدنيا كلها:
” بحبك يا ولاء.. سامحيني يا ملكة قلبي”
دموعي نزلت في ثانية، وخبيتها ورا نضارتي وقلبي بدأ يضرب في صدري زي الطبول. وفجأة، حسيت بـ حركة ورايا، وخطوات واثقة بتقرب. لفيت ببطء.. وكان هو.
جواد.. بـ هيبته، ووسامته، بس المرة دي مكنش لابس البدلة الميري، كان لابس بدلة كاجوال شيك، وعينيه مكنش فيها لا غضب ولا غيرة عمياء.. كان فيها كمية شوق وولهفة وانكسار حبيب مستعد يبيع الدنيا عشان نظرة رضا. كان شايل في إيده بوكية ورد روز أحمر كبير، قرب مني لحد ما بقى واقف قصادي قدام أهلي، وقدام الناس في الشارع اللي بدأت تقف وتتفرج وتسقف. جواد بص في عيني بنظرة دّوبت كل جبال الثلج والعناد اللي بنيتها جوايا. نزل على ركبته نص نزلة، ومد إيده بالورد وقال بصوت جهوري ومبحوح في نفس الوقت، صوته هز الشارع كله:
“بقولهالك قدام أهلِك، وقدام الناس كلها، وقدام ربنا قبل أي حد.. أنا بحبك يا ولاء! بحبك ومقدرش أعيش ثانية واحدة من غيرك. أنا كنت غبي ومجنون وأعمى بس وحياة دموعك الغالية دي، وحياة الـ 8 سنين اللي عيشتيهم بتستحمليني، ماليش حياة بره حضنك.. سامحيني يا بنت عمي، سامحيني يا حب عمري.
في اللحظة دي.. ولاء القوية واللي قررت تقف في وش قلبها قبل أي حاجة. بقت أضعف من أضعف حاجة في الدنيا . الـ 23 سنة حب اللي اتولدوا معايا من طفولتي طلعوا هما اللي كسبانين. أنا ضعفت.. ضعفت بالمعنى الحرفي للكلمة قدام لهفته ودموعه اللي لمحتها في عينيه لأول مرة في حياتي. النظرة المكسورة والاعتراف اللي تمنيته عمره كله كان بين إيديا.حكايات نورهان العشري
مسحت دموعي ونزلت نضارتي، وبصيتله وعيني بتضحك وتبكي في نفس الوقت. بابا قرب منا وحط إيده على كتف جواد وقاله: