جوزي في صف امه منى السيد ١

صبح يا ماما، المعصم طق، والدكتور في المستشفى حلف عليا ما أحرك صباع واحد لمدة عشر أيام، واداني مسكنات، وقالي لو ضغطتي على إيدك هتحتاجي جبس وعملية وتثبيت شريحة.
مازن قعد على كرتونة برطمانات وهو ماسك دماغه يا نهار أسود.. عشر أيام؟! وإحنا شاريين بنص شقى عمري بضاعة، والناس مدية العربون ومستنية تستلم قبل رجب ما يخلص وقبل رمضان بأسبوعين!
الحاجة وفاء عنيها ولعت شرار، وبصتلي بشك وعايزة تكشف عليا، بس منظر التقرير والروشتة والرباط الطبي سد خانة الشك في زورها.
طب والعمل؟ الخضار ده لو قعد يومين برة التلاجة في حر الصالة دي هيضرب ويدود، وإحنا دافعين فيه دم قلبنا! حماتي صرخت وهي بتخبط على فخادها.
رديت بمنتهى البراءة والمسكنة ولا تزعلوا نفسكم خالص.. مش إنتي يا ماما اللي قلتي إن ستات عيلتكم طول عمرهم بيخللوا، وإنك شيلتي الليلة أربعين سنة من أيام حماتك؟ بركتنا إنتي، والخير على إيدك! ومازن حبيبك هيقف يساعدك يغسل ويعقم ويقطع، وأنا هقعد هنا على الكرسي أقولكم المقادير وسر الصنعة بالجرام عشان الطعم يطلع زي ما الزباين داقوا بالظبط!
مازن اتنطر من مكانه أنا؟! أنا أقف أقمع فلفل وأغسل طماطم؟! أنا مهندس يا وسام!
ومهندس دي تسقط قدام أصول العيلة يا روحي؟ مش إنت لسه قايلي امبارح اعمليها عشان البيت وشكلنا قدام الناس والعيش والملح؟ يلا وريني الأصول وشيل مع مامتك، ولا الأصول دي بتطلع عليا أنا بس أول ما الموضوع يبقى فيه شقى وتعب؟
الحاجة وفاء بلعت ريقها بصعوبة، لقت نفسها محشورة في زاوية ملهاش مخرج. الفلوس في جيبها وصرفتها على الخضار، والناس لو مستلموش هيفضحوها في المنطقة والنادي، ومرات ابنها إيدها ملفوفة ومفيش حجة تمسكها عليها.
يلا يا مازن.. فز ادخل المطبخ.. مفيش وقت للرغي، الخيار هيدبل.
ودخلوا المطبخ.
أنا دخلت أوضة النوم، قفلت الباب عليا بالمفتاح، رميت الرباط الضاغط من على إيدي، وفتحت الموبايل وحطيت السماعات في ودني.
الصورة على الأبلكيشن كانت تحفة فنية تستاهل أوسكار.
مازن لابس مريلة مطبخ مشجرة، واقف قدام الحوض وشه وارم من ريحة الشطة الحمرا اللي بيغسلها، وكل ثانيتين يعطس عطسة تهد الحيطة، وعينيه مدمعة وحمرا كأنه مضروب بالقلم. وأمه واقفة على الحلة الكبيرة بتسلق الطماطم عشان تقشرها، عرقانة والجلابية لازقة في ضهرها، وبتسب وتلعن في سرها من السخونية والحر.
قصفي يا مازن، متسيبش العنقود الأخضر في قرن الفلفل! هيبوظ المخلل والناس ترجعه!
يا أمي ارحميني، إيدي بتاكلني من الشطة، وظهري اتقطم من الوقفة! بقالنا خمس ساعات ومخلصناش تلتين قفص واحد من أصل عشرين!
اتكتم واشتغل وإنت ساكت! ده إحنا لو الأوردر ده باظ هندفع من جيبنا اللي ورانا واللي قدامنا.. ده أنا واخدة عربونات تلاتين ألف جنيه وصرفناهم في السوق!
كنت بسمع وبتفرج وأنا باكل تفاحة ومبسوطة بالعدالة الإلهية اللي بتتحقق لايف قدام عيني. بس على الساعة خمسة المغرب، بعد ما الاتنين هدوا شوية وبدأوا يقعدوا على كراسي المطبخ يرتاحوا من التعب، حماتي وطت صوتها وبصت ناحية باب المطبخ عشان تتأكد إن محدش سامع.
قربت من مازن، والمايك بتاع الكاميرا كان حساس جداً، لقط كل همسة.
بقولك إيه يا واد.. البت وسام دي مش سالكة، وحكاية إيدها اللي وجعاها دي مش داخلة عليا.. بس يلا، أهي مصلحة برضه.
مازن مسح عرق جبينه وقالها بقرف مصلحة إيه يا أمي وإحنا طالع دين أبونا هنا؟
الحاجة وفاء ابتسمت بضحكة صفرا، وطلعت نوتة صغيرة من جيب صدرها اسمع بس وفكر بعقلك.. إحنا السنة دي بنعمل ال 300 برطمان دول بالعافية أهو، وهنسلمهم للناس باسمي وباسمك، وهقولهم إن وسام ملمستش فيهم حاجة عشان خايبة ومبتعرفش تشيل مسؤولية. والسنة الجاية على شعبان ورمضان، أنا مظبطة اتفاق مع مدام سوسن بتاعة المعارض الخيرية.. هنعمل ألف برطمان كاملين!
مازن شهق ألف برطمان؟! مين اللي هيعمل ألف برطمان ده إحنا كتافنا سابت في أول يوم!
حماتي ضربته على كتفه بخفة وضحكت بمكر إنت غبي ياض؟ إحنا هنسيب وسام على عماها لحد بعد العيد، وأول ما رجب الجاي يهل، إنت هتاخد منها كارت الفيزا وباسورد حساب البنك اللي أبوها كتبه باسمها قبل ما يموت، بحجة إنك هتجدد عفش البيت أو هتغير العربية، ونسحب منه تمن الخامات كلها مقدماً من غير ما ندفع مليم.. وساعتها بقى، هجيبلك أختك ومراتات خيلانك يقعدوا هنا في الشقة، ونشغل وسام تحت إيديهم بالسخرة، ونقولها ده مشروع العيلة الكبير.. والمكسب كله هيتحط في حسابي أنا وإنت في البنك عشان نشتريلك بيه المحل اللي نفسك فيه في التجمع، ونسيبها هي تضرب راسها في الحيط ومتقدرش حتى تطلب الطلاق عشان فلوسها كلها هتبقى مربوطة في البضاعة!
مازن سكت شوية، وبعدين ضحك بشر والله فكرة يا ماما.. والبت وسام كده كده بتسمع الكلام وبتخاف على زعلنا، وهتتكسف تقول لأ قدام أهلي كلهم.. بس نعدي السنة دي الأول على خير.
هتعدي يا حبيبي.. المهم إنت روق دمك، وخليها هي فاكرة إنها اتهربت م الشغل بالرباط اللي في إيدها ده، مش عارفة إن شقا عمرها كله هيتسحب منها السنة الجاية برضاها أو غصب عنها.
أنا في أوضة النوم، كنت حاطة إيدي على بوقي، وعينيا مبرقة في شاشة الموبايل.
جسمي كله كان بيتنفض، مش
من الخوف، من الصدمة والقرف. الفلوس اللي أبويا الله يرحمه سابهالي عشان تأمّن مستقبلي، واللي مازن مكنش يعرف عنها غير إنها وديعة في البنك، الاتنين عاملين خطة يسرقوها مني عيني عينك في موسم رمضان الجاي، ومشغليني خدامة وسخرة عندهم عشان يفتحوا محل لمازن!
نزلت الموبايل، والضحكة الباردة رجعت تترسم على وشي من تاني.. بس المرة دي كانت ضحكة موت.
دوست على زرار حفظ الفيديو، ونزلت نسخة من التسجيل على تليفوني، وبعتّ نسخة تانية فورية على إيميل نهى وعلى هارد ديسك خارجي.
وقفت قدام المراية، بصيت لوشي كويس، وقلت لنفسي بقى إنتوا بتخططوا للسنة الجاية ورمضان الجاي؟ طب عليا النعمة، ما هيطلع عليكم فجر النهاردة إلا وبيتكم مخروب على دماغكم، وبإيديكم مش بإيدي.
طلعت براحة من الأوضة، مشيت في الطرقة لحد ما وقفت على باب المطبخ، وكانوا الاتنين غرقانين في حلة الصلصة اللي بتغلي.. وخبطت على الباب خبطتين.
