حكم تغسيل الابن لامه المتوفاة

هل يجوز أن يُغسِّل الابن أمه بعد وفاتها؟
هذا السؤال يطرحه كثير من الناس، خاصة عندما تكون الأم ليس لها بنات أو قريبات يمكنهن القيام بتغسيلها، ويأتي الجواب من الفقه الإسلامي واضحًا في هذه المسألة.

أجمع العلماء على أن الأصل في تغسيل الميت أن يتولى ذلك من هو من نفس الجنس؛ فيُغسِّل الرجلَ الرجالُ، وتُغسِّل المرأةَ النساءُ، وذلك حفظًا للستر والخصوصية حتى بعد الوفاة. لكن توجد حالات استثنائية راعتها الشريعة عند الضرورة أو الحاجة.
وبالنسبة لمسألة أن يقوم الابن بتغسيل أمه إذا لم توجد امرأة تقوم بذلك، فقد ذهب عدد من أهل العلم إلى جواز ذلك عند الضرورة، لأن علاقة الأم بابنها من المحارم الدائمة التي لا تنقطع، ولأن المقصود هو القيام بحق الميت وصيانته وإكرامه. ويرى بعض الفقهاء أن وجود المحرمية يخفف الحكم عند الحاجة، مع ضرورة الالتزام الكامل بالستر، بحيث يتم التغسيل من وراء حائل أو قماش، وألا يُكشف من الجسد إلا ما تدعو إليه الحاجة.

وفي المقابل، فضّل بعض العلماء أن يُبحث أولًا عن امرأة تقوم بهذا الأمر؛ كأخت المتوفاة، أو عمتها، أو خالتها، أو زوجة الابن إن كانت متقنة لأحكام التغسيل، أو امرأة مأمونة من أهل الخبرة، لأن هذا أولى وأحوط.

فإذا لم توجد امرأة مطلقًا، ولم يكن هناك سبيل آخر، فإن بعض أهل العلم أجازوا للابن أن يتولى تغسيل أمه مع مراعاة الضوابط الشرعية الكاملة، وأن يكون الهدف هو أداء الواجب الشرعي وتكريم الميت.

والأهم من ذلك أن الإسلام جعل تكريم الميت من أعظم الحقوق، فقال النبي ﷺ: “كسر عظم الميت ككسره حيًا”، أي أن حرمة الإنسان بعد موته باقية كما كانت في حياته.

لذلك، إن لم يكن هناك من النساء من تستطيع القيام بهذا الواجب، وكان ابنها هو الأقرب والأحرص على سترها وإكرامها، فقد أجاز بعض العلماء ذلك عند الحاجة، مع الالتزام بالستر الكامل والتحفظ الشديد.

نسأل الله حسن الخاتمة، وأن يرزقنا وإياكم الرحمة والمغفرة، وأن يجعل آخر أعمالنا خيرًا.

ومن المهم أيضًا معرفة أن تجهيز الميت في الإسلام قائم على الرحمة والستر وصيانة الكرامة الإنسانية، وليس المقصود منه مجرد أداء إجراءٍ شكلي. لذلك شددت الشريعة على ضرورة التعامل مع المتوفى بكل احترام، وأن يُراعى أثناء الغسل عدم كشف العورة أو التهاون في ستر الجسد.

وقد أوضح أهل العلم أن الأفضل دائمًا عند وفاة المرأة أن تتولى النساء تغسيلها، لأن ذلك أبلغ في الستر وأكمل في مراعاة حرمة الميتة. فإذا وُجدت امرأة من الأقارب أو من النساء المعروفات بالثقة والخبرة في تغسيل الموتى، فإن هذا هو الخيار المقدم شرعًا.

أما إذا لم تتوفر امرأة، فهنا ينظر العلماء إلى الضرورة والحاجة. والضرورة في الشريعة لها اعتبار كبير، لأنها جاءت لرفع الحرج عن الناس. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون المقصود مخالفة الأصل، بل العمل بما يحفظ كرامة الميت ويمنع وقوع التقصير في حقه.

وينبغي على الابن – إن اضطر للقيام بذلك – أن يكون مدركًا للأحكام الشرعية المتعلقة بالغسل، وأن يحرص على أن يتم الأمر في أجواء من الوقار والخشوع، مع ستر الجسد بغطاء مناسب، وعدم لمس ما لا تدعو الحاجة إلى لمسه، وأن يستعين بمن لديه علم بأحكام التغسيل إن أمكن.

كما أن بعض الناس يقلقون من هذا الأمر من الناحية العاطفية والنفسية، لما يحمله من مشقة على الابن وهو يودع أمه. لكن في المقابل، يرى كثيرون أن قيام الابن بهذا الواجب – عند الحاجة – يعد صورة من صور البر العظيم، ووفاءً لحق الأم التي ربّت وسهرت وضحت طوال حياتها.

فالأم التي حملت وربّت واحتملت المشقة من أجل ولدها، قد يكون من تمام بره بها في لحظاتها الأخيرة أن يحرص على تجهيزها بما يرضي الله، إذا لم يوجد من يقوم بهذا الواجب سواه.

وفي النهاية، هذه المسائل الفقهية قد تختلف فيها آراء العلماء بحسب المذهب والظروف، لذلك يُستحب الرجوع إلى دار الإفتاء أو أهل العلم في البلد عند وقوع الحالة بالفعل، حتى يكون العمل على بصيرة وطمأنينة.

رحم الله أمهات المسلمين جميعًا، وجعل برّهن سببًا لرضاه، ورزق الجميع حسن الختام والرحمة الواسعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *