حماتي اماني السيد ٣

تذكر الأيام التي كان يدخل فيها البيت ليجد الطعام الساخن جاهزاً، والشقة تعبق برائحة النظافة والعود، وأطفاله يستقبلونه بالضحك والقبلات. تذكر كيف كان يمارس عليّ الأستاذية والتكابر، ويتظاهر بالقرف ليحرم شفتي من الابتسامة، وكيف استغل طيبتي وصبري ليوفر أمواله ويشتري بها وهم السعادة الزائفة مع عروس صبية لم تلبث أن دهست كبرياءه وألقت به في أتون الديون والخلع بمجرد أن شمت رائحة المرض والمرارة.
في صباح اليوم التالي، جاءته ضربة قاضية جديدة في عمله. عند دخوله مقر الشركة، استدعاه المدير العام إلى مكتبه. لم يجد على وجه المدير سوى التجهم والصرامة. ألقى أمامه ملفه الوظيفي وقال له بنبرة حازمة: “يا أحمد، إحنا صبرنا عليك كتير جداً. غيابات متكررة، إنتاجية معدومة، وشكاوى من العملاء بسبب عدم تركيزك. فوق كل ده، وصلنا اليوم خطابات استقطاع قانوني وتنفيذي من المحكمة لعدة قضايا نفقة وديون، والشركة مش هيئة شؤون اجتماعية عشان تتفرغ لمشاكلك الشخصية. للأسف، إدارة الشركة قررت الاستغناء عن خدماتك من النهاردة.”
سقطت الكلمات على رأسه كالصاعقة. حاول أن يتوسل، أن يشرح ظروف وفاة أمه وديونه المتراكمة، لكن المدير أشار له بالخروج ببرود، مسلماً إياه قرار الفصل النهائي مع نموذج تسوية مستحقات مقتطعة بالكامل لصالح الديون والأحكام القضائية.
خرج أحمد من شركته يحمل كرتونة صغيرة فيها أوراقه الشخصية، كمن يُساق إلى الإعدام. أصبح الآن بلا عمل، بلا دخل، بلا زوجة، وبلا أم، مطارداً بأحكام قضائية نهائية بضرورة سداد مبالغ مالية ضخمة تحت طائلة الحبس الفوري.
حاول للمرة الأخيرة أن يلجأ إلى إخوته. ذهب إلى بيت أخته، تلك التي اقتسمت معه إثم الشماتة في البداية. عندما فتحت له الباب ورأت حالته الرثة وكرتونة أوراقه، لم تسمح له حتى بالدخول إلى الصالة.
وقفت على العتبة وقالت بلهجة مستفزة: “جاي ليه يا أحمد؟ جايب لك مشاكل جديدة؟ جوزي قال لي مفيش قرش واحد يدخل بيتنا من ناحيتك، ولا لينا دعوة بقضاياك ونفقات عيالك.”
صرخ في وجهها والدموع تخنق صوته: “أنا طردوني من الشغل يا فاجرة! أنا ضعت! نسيتوا الفلوس الكاش اللي أخدتوها مني تمن نصيبكم في الشقة؟ نسيتوا إن أكلت حق حكمت وعيالي عشان أوفيلكم حقوقكم؟ دلوقتي تبيعوني وأنا بالحال ده؟”
