حماتي اماني السيد ٣

ردت عليه بقسوة وجحود: “أنت اللي جيت على نفسك وعلى بيتك عشان تتباهى وتتجوز عروستك الشابة! الفلوس اللي أخدناها كانت حقنا الشرعي في ورث أبونا، محدش ضربك على إيدك عشان تشتري الشقة لوحدك.. يلا ارجع لشقتك وبلاش تفضحنا في الشارع!”
وأغلقت الباب في وجهه بقوة، ليرتطم الصوت بقلبه وينكسر فيه آخر أمل في البشر.
عاد أحمد إلى شقته الخاوية، ليرديه المحامي الخاص بي بخبر زلزل ما تبقى من كيانه. أصدرت المحكمة حكماً باتاً بالحجز الإداري على الشقة الكبيرة ذاتها والموافقة على بيعها في المزاد العلني لاستيفاء المتأخرات المالية الضخمة لنفقات أطفالي، ومؤخر صداق العروس السابقة، والديون البنكية التي تراكمت عليه. الشقة التي هدّ حيلي في تنظيفها وسُفكت فيها صحتي، والتي اشترى أنصبة إخوته فيها ليتفاخر بها، أصبحت معروضة للبيع للغرباء بأمر القانون ليُسدد منها حق الأطفال الذين حرمهم من اللقمة!
أما أنا، فكنتُ في تلك الأثناء أعيش أجمل أيام حياتي. بالترقية الجديدة التي حصلت عليها في المركز الطبي، استطعتُ أن أتسلم سيارة صغيرة بالتقسيط المريح لتسهيل تنقلاتي مع أطفالي. أخذتُ طفليّ وأمي في عطلة نهاية الأسبوع إلى إحدى المدن الساحلية، لنقضي أياماً مليئة بالدفء والبهجة على شاطئ البحر؛ نفس البحر الذي كان أحمد يلتصق فيه بعروسه ويصور معها فيديوهات الشقاوة والدلال بفلوس معاش أمه.
كنتُ أجلس على الرمال، أراقب أطفالي وهم يركضون ويضحكون بحرية، وأتذكر كيف حاول أحمد أن يكسرني ويجعلني خدامة مجانية لأهله، وكيف رد الله كيده في نحره، فجرد من العزة، وألبسه ثوب الذل، وأراه أثر الظلم في الدنيا قبل الآخرة.
وصلتني الرسالة من المحامي تفيد بتحديد موعد المزاد العلني لبيع الشقة، وأكد لي أن نصيبي ونصيب أطفالي من متحصلات البيع سيكون كافياً لتأمين مستقبلهم التعليمي بالكامل، وشراء شقة صغيرة باسمي الخاص دون الحاجة لأي مخلوق.
لم أعد أشعر تجاه أحمد بحديد الغضب ولا بحرارة الانتقام؛ فقد حلّ مكان ذلك كله شعورٌ عظيم بالاستغناء والسكينة. أدركتُ أن كل قطرة عرق سقطت مني في خدمة عجوز أو في مسح أرضية، وكل دمعة كتمتها وقهرتها في صدري، قد تحولت بقدرة قادر إلى سياط تلاحق الظالم وتدمره من حيث لا يحتسب.

