حماتي اماني السيد ٣

وجدتُ نفسي في تلك الأثناء أترقى في عملي بالمركز الطبي. أصبحتُ مسؤولة عن قسم كامل، وزاد دخلي بشكل ممتاز، مما مكنني من الانتقال مع أطفالي وأمي إلى شقة جديدة جميلة يملؤها الدفء والشمس. كان أطفالي يتفوقون في مدارسهم، وعادت الحياة تبتسم لنا بعد طول جفاء. كنتُ أذهب يومياً إلى عملي بملابس أنيقة ووجه مشرق، أعيش حياتي بكرامة، وأشعر بكل جوارحي أن الله قد أخذ لي حقي كاملاً دون أن أرفع حجراً واحداً ضد أحد.
في ليلة شديدة الظلمة، ارتفعت حرارة حماتي وبدأت تجود بأنفاسها الأخيرة. لم يجد أحمد أحداً بجانبه. اتصل بالإسعاف بمفرده، ونقلها إلى المستشفى الحكومي وهو لا يملك في جيبه سوى بضع جنيهات لا تكفي لشراء الدواء المطلوب. خاف أن يتصل بإخوته فيخذلوه مرة أخرى.
جلس في ممر المستشفى البارد، يتذكر كيف كان يشتكي من الفقر ويحرمني من المصاريف بحجة مشاكل العمل، وكيف كان يأخذ بطاقة معاش أمه الميت ليمشي بها المنزل بينما كان ينفق مئات الآلاف على القاعات الفخمة والبدل الأنيقة. تذكر كيف كنتُ أخرج في منتصف الليل لأشتري العلاج لأمه بمالي الخاص دون أن أشتكي، بينما هو الآن لا يجد من يربد على كتفه أو يطعه بلقمة.
خرج الطبيب من الغرفة ونظر إليه بأسى قائلاً: “البقاء لله.. الوالدة اتوفت.”
سقط أحمد على أرضية المستشفى، ولم تكن دموعه على وفاة أمه فقط، بل كانت على حياته التي تهمشت بالكامل. ماتت الأم التي ظلمتني معه، وماتت معها الشقة الكبيرة التي كانت سبباً في طمعه، وبقي هو وحيداً في مواجهة الديون القاسية، والأحكام القضائية التي تنتظر تنفيذه، والخراب الشامل الذي صنعت يداه.
في اليوم التالي، أُقيمت جنازة العجوز. لم يحضر من إخوته سوى أخته وزوجها لبضع دقائق، ألقوا التعزية ببرود شديد وغادروا فوراً دون أن يقفوا معه في المدافن أو يتحملوا درهماً واحداً من مصاريف الجنازة. وقف أحمد وحده أمام القبر، يترحم على أمه ويرى شريط حياته يمر أمام عينيه كفيلم رعب؛ خسر زوجته المخلصة، خسر عروسه الشابة، خسر أمواله وسيارته، وخسر كرامته وأهله، ولم يبقَ له سوى شقة فارغة تسكنها ديون المحاكم والذكريات الأليمة.
وصلني خبر الوفاة من إحدى الجارات. لم أشعر بالشماتة، لكنني شعرتُ براحة عميقة؛ راحة المظلوم الذي رأى العدالة الإلهية تتجلى أمامه رأي العين. لم أذهب للجنازة ولم أرسل تعزية؛ فقد أغلقت ذلك الفصل من حياتي إلى الأبد.

